الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ٤٥ - حكم شراء السلعة بعد بيعها نسيئة
ولا يجدها الا قليلا فيرفع في ثمنها ليحصلها فتغلو الاسعار ويحصل الاضرار بالجانبين جانب الملاك في منعهم من بيع أملاكهم ، وجانب المشتري في منعه من الوصول إلى غرضه فيكون حراما ، فاما حديث عمر فقد روى فيه سعيد والشافعي أن عمر لما رجع حاسب نفسه ثم أتى حاطبا في داره فقال : ان الذي قلت لك ليس بعزيمة مني ولا قضاء وانما هو شئ أردت به الخير لاهل البلد فحيث شئت فبع كيف شئت وهذا رجوع إلى ما قلنا وما ذكروه من الضرر موجود فيما إذا باع في بيته ولا يمنع منه
مسألة
( من باع سلعة بنسيئة لم يجز أن يشتريها بأقل مما باعها إلا أن تكون قد تغيرت صفتها ، وان اشتراها أبوه أو ابنه جاز ) من باع سلعة بثمن مؤجل ثم اشتراها بأقل منه نقدا لم يجز روي ذلك عن ابن عباس وعائشة والحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي وبه قال الثوري والاوزاعي ومالك واسحاق وأصحاب الرأي وأجازه الشافعي لانه ثمن يجوز بيعها به من غير بائعها فجاز من بائعها كما لو باعها بمثل ثمنها ولنا ما روى غندر عن شعبة عن أبي اسحاق السبيعي عن أمرأته العالية بنت أيفع بن شرحبيل أنها قالت دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم وامرأته على عائشة فقالت أم ولد زيد بن أرقم أني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء ثم اشتريته منه بستمائة درهم فقالت لها : بئس ما شريت بئس ما اشتريت ابلغي زيد بن أرقم قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب .
رواه أحمد وسعيد بن منصور ، والظاهر أنها لا تقول مثل هذا التغليظ
وتقدم عليه الا بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلمفجرى مجرى روايتها ذلك
عنه لان ذلك ذريعة إلى الربا فانه يدخل السلعة ليستبيح بيع الف بخمسمائة
إلى أجل ، ولذلك قال ابن عباس في مثل هذه المسألة أرى مائة بخمسين بينهما
حريرة يعني خرقة حرير جعلاها في بيعهما والذرائع معتبرة ، فأما ان باعها
بمثل الثمن أو اكثر جاز لانه لا يكون ذريعة وهذا إن كانت السلعة لم تنقص عن
حالة البيع ، فان نقصت مثل ان هزل العبد أو نسي متاعه أو تخرق الثوب ونحوه
جاز له شراؤها بما شاء لان نقص الثمن لنقص المبيع لا للتوسل إلى الربا
( فصل ) فان اشتراها بعرض أو كان بيعها الاول بعرض فاشتراها بنقد جاز ولا
نعلم فيه خلافا لان التحريم انما كان لشبهة الربا ولا ربا بين الاثمان
والعروض ، فان باعها بنقد ثم اشتراها بنقد آخر فقال أصحابنا يجوز لانهما
جنسان لا يحرم التفاضل بينهما أشبه ما لو اشتراها بعرض ، وقال أبو حنيفة لا
يجوز استحسانا لانهما كالشئ الواحد في معنى الثمنية ولان ذلك يتخذ وسيلة
إلى الربا فهو كما لو باعها بجنس الثمن الاول قال شيخنا وهذا أصح ان شاء
الله تعالى وهذه المسألة تسمى مسألة العينة قال الشاعر : أندان أم نعتان أم
ينبرى لنا
فتى مثل نصل السيف ميزت مضاربه ومعنى نعتان أي نشتري عينة كما وصفنا ، وقد روى أبو داود باسناده عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم " وهذا وعيد يدل على التحريم ، وقد روي عن أحمد أنه قال : العينة أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة فان باع بنقد ونسيئة فلا بأس وقال اكره