الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ١٨٠ - تحريم جميع الحيل في الشرع
ولنا ان الله تعالى عذب امة بحيلة احتالوها فمسخهم قردة وسماهم معتدين وجعل ذلك نكالا وموعظة للمتعين ليتعظوا بهم ويمتنعوا من مثل أفعالهم ، قال بعض المفسرين في قوله تعالى ( وموعظة للمتقين )اي لامة محمد صلى الله عليه وسلم فروي انهم كانوا ينصبون شباكهم يوم الجمعة ويتركونها إلى يوم الاحد ومنهم من كان يحفر حفائر ويجعل إليها مجاري فيفتحها يوم الجمعة فإذا جاء السمك يوم السبت جرى مع الماء في المجاري فيقع في الحفائر فيدعها إلى يوم الاحد ثم يأخذها ويقول ما اصطدت يوم السبت ولا اعتديت فيه وهذا حيلة ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " من ادخل فرسا بين فرسين وقد أمن ان يسبق فهو قمار " رواه أبو داود فجعله قمارا مع ادخاله الفرس الثالث لكونه لايمنع معنى القمار وهو كون كل واحد من المتسابقين لا ينفك عن كونه أخذا أو مأخوذا منه وإنما دخل صورة تحيلا على إباحة محرم وسائر الحيل مثل ذلك ، ولان الله تعالى انما حرم المحرمات لمفسدتها والضرر الحاصل منها ولا تزول مفسدتها مع بقاء معناها باظهارهما صورة غير صورتها فوجب ان لا يزول التحريم كما لو سمى الخمر بغير اسمها لم يبح ذلك شربها ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " ليستحلن قوم من امتي الخمر يسمونها بغير اسمها " ومن الحيل في غير الربا أنهم يتوصلون إلى بيع المنهي عنه بأن يستأجروا بياض أرض البستان بأمثال أجرته ثم يساقيه على ثمر شجره بجزء من ألف جزء للمالك وتسعمائة وتسعة وتسعون للعامل ولا يأخذ منه المالك شيئا ولا يريد ذلك ، وانما قصده بيع الثمرة قبل وجودها بما سماه أجرة والعامل لا يقصد أيضا سوى ذلك وربما لا ينتفع بالارض التي سمى الاجرة في مقابلتها ومتى لم يخرج الثمر أو أصابته