الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ١٨ - التصرف في المبيع في مدة الخيار بيع ما فتح من البلاد عنوة ولم يقسم
على ذلك وقوله فكيف بمال بزاذان ليس فيه ذكر الشراء ، ولان المال
الارض فيحتمل أنه أراد من السائمة أو الزرع أو نحوه ، ويحتمل أنه أراد
أرضا اكتراها وقد يحتمل أنه أراد بذلك غيره وقد يعيب الانسان الفعل المعيب
من غيره ( جواب ثان ) أنه يتناول الشراء وبقي قول عمر في النهي عن البيع
غير معارض ، فأما المعنى فلانها موقوفة فلم يجز بيعها كسائر الوقوف والدليل
على وقفها النقل والمعنى أما النقل فما نقل من الاخبار أن عمر لم يقسم
الارض التي افتتحها وتركها لتكون مادة للمسلمين الذين يقاتلون في سبيل الله
إلى يوم القيامة وقد نقلنا بعض ذلك وهو مشهور تغني شهرته عن نقله وأما
المعنى فلانها لو قسمت لكانت للذين افتتحوها ثم لورثته ( الظاهر أن تكون
لورثتهم ) ولمن انتقلت إليه عنهم ولم تكن مشتركة بين المسلمين ، ولانه لو
قسمت لنقل ذلك ولم يخف بالكلية فان قيل فهذا لا يلزم منه الوقف لانه يحتمل
أنه تركها للمسلمين عامة فتكون فيئا للمسلمين والامام نائبهم فيفعل ما يرى
فيه المصلحة من بيع وغيره ، ويحتمل أنه تركها لاربابها كما فعل النبي صلى
الله عليه وسلم بمكة ، قلنا أما الاول فلا يصح لان عمر انما ترك قسمتها
لتكون مادة للمسلمين كلهم ينتفعون بها مع بقاء أصلها وهذا معنى الوقف ، ولو
جاز تخصيص قوم بأصلها لكان الذين افتتحوها أحق بها ولا يجوز أن يمنعها
أهلها لمفسدة ثم يخص بها غيرهم مع وجود المفسدة المانعة والثاني أظهر فسادا
من الاول لانه إذا منعها المسلمين المستحقين كيف يخص بها أهل الذمة
المشركين الذين لا حق لهم ولا نصيب ؟
( فصل ) وإذا بيعت هذه الارض فحكم
بصحة البيع حاكم صح لانه مختلف فيه فصح بحكم الحاكم كسائر المختلفات ، وإن
باع الامام شيئا لمصلحة رآها مثل أن يكون في الارض ما يحتاج إلى عمارته ولا
يعمرها الا من يشتريها صح أيضا لان فعل الامام كحكم الحاكم ، وقد ذكر ابن
عائذ في كتاب فتوح الشام قال : قال غير واحد من مشايخنا إن الناس سألوا عبد
الملك والوليد وسليمان ان يأذنوا لهم في شراء الارض من أهل الذمة فأذنوا
لهم على ادخال أثمانها في بيت المال ، فلما ولي عمر بن عبد العزيز أعرض عن
تلك الاشرية لاختلاط الامور فيها لما وقع فيها من المواريث ومهور النساء
وقضاء الديون ولما لم يقدر على تخليصه ولا معرفة ذلك كتب كتابا قرئ على
الناس : إن من اشترى شيئا بعد سنة مائة إن بيعه مردود .
وتسمى سنة مائة سنة المدة فتناهى الناس عن شرائها ثم اشتروا أشرية كبيرة كانت يأيدي أهلها تؤدي العشر ولا جزية عليها ، فلما أفضى الامر إلى المنصور ورفعت إليه تلك الاشرية وأن ذلك أضر بالخراج وكسره فأراد ردها إلى أهلها فقيل له قد وقعت في المواريث والمهور واختلط أمرها .
فبعث المعدلين منهم عبد الله بن يزيد إلى حمص ، واسماعيل بن عباس إلى بعلبك ، وهضاب بن طوق ومحرز ابن زريق إلى الغوطة ، وأمرهم أن لا يضعوا على القطائع والاشرية القديمة خراجا ومنعوا الخراجعلى ما بقي بأيدي الانباط وعى الاشرية المحدثة من سنة مائة إلى السنة التي عدل فيها فعلى هذا ينبغي أن يجزئ ما باعه امام أو بيع باذنه أو تعذر رد بيعه هذا المجزئ في أن يضرب عليه خراج بقدر ما يحتمله ويترك في يد مشتريه أو من انتقل إليه إلا ما بيع قبل المائة سنة فانه لا خراج عليه كما نقل في هذا الخبر