الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٩٠ - «الباب الخامس و الستون و أربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله اللّٰه أكبر»
و هو الرحمة و بما يسوء و هو فتح العذاب
[فتح العذاب على نوعين]
و هو على نوعين فتح عذاب فيه رحمة و فتح عذاب لا يشوبه رحمة إلا عندنا فإنه ما ثم عذاب لا يشوبه رحمة قط فإن الرحمة وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و أما الميل الطبيعي و هو مثل الألف التي يسمى واو علة و ياء علة فهو ميلها إلى جانب الحق مثل قولوا و مثل فيه و أما الهمزة المكسورة في هذا الذكر فهو باعث الحق إلى النزول إلى السماء الدنيا و إلى كل ما يكون لجانب الخلق هذا في باعث الحق و أما إذا كان باعث الخلق فهو إن نظره في نفسه يبعثه على التعمل في تحصيل علمه بربه فلذلك كانت الهمزة مكسورة في النفي و في كلمة الإثبات و المنفي مكسور أبدا و أما ألف الوصل فهو وصل علم بتمييز مع وجود تشبيه إن لم يكن هناك وجود تشبيه فهي ألف قطع لا ألف وصل و أما اللام فهي جبروتية لأنها من الوسط من رفيع الدرجات و الهاء ملكوتية فإنها من الصدر من أول مجرى النفس و هي أصلية في هاتين الكلمتين في المنفي و المثبت و ما ثم إلا هويتان هوية خلق و هي المنفية في دعواها ما ليس لها و هوية حق و هي الثابتة فإنها لم تزل فإن العبد من حيث عينه هالك و إذا كان الحق هويته فليس هو ففي كل وجه ما هو هو فتنتفى هوية الحق إذا لبست الخلق و لا تنفي هوية الخلق إذا لبست الحق فعلى كل حال ما ثم إلا حق ثابت غير منفي و أما الكلمات الأربع أداة نفي على منفي و أداة إثبات على ثابت و بقي لمن يضاف العمل هل للاداة أو للذي دخلت عليه فإن كان الحكم لمن دخلت عليه فإنه الذي يطلبها فإنه ما انتفى بها و إنما جاءت الأداة معرفة للسامع بأن الذي دخلت عليه منفي أو ثابت و ما عملت الأداة فيمن دخلت عليه إلا تعيين مرتبة العلو أو السفل أو ما بينهما فبالأداة تظهر المراتب و بمن دخلت عليه تتعين الأداة الخاصة من غيرها من الأدوات كما ارتبط وجود الخلق بالحق و ارتبط وجود العلم القديم بالمحدث فهذا بعض ما ينتجه لا إله إلا اللّٰه من العلم الإلهي و له ستة و ثلاثون وجها يعطي كل وجه ما لا يعطيه الوجه الآخر قد ذكرنا هذه الوجوه في باب النفس بفتح الفاء
[إن الحروف تقسمه حقيقية]
و اعلم أنه ما قسمنا الحروف تقسيم من يعقل على طريق التجوز بل ذلك على الحقيقة فإن الحروف عندنا و عند أهل الكشف و الايمان حروف اللفظ و حروف الرقم و حروف التخيل أمم من جملة الأمم لصورها أرواح مدبرة فهي حية ناطقة تسبح اللّٰه بحمده طائعة ربها فمنها ما يلحق بعالم الجبروت و منها ما يلحق بعالم الملكوت و منها ما يلحق بعالم الملك فما الحروف عندنا كما هي عند أهل الحجاب الذين أعماهم اللّٰه و جعل عَلىٰ أَبْصٰارِهِمْ غِشٰاوَةٌ و هم ينظرون كما قال تعالى وَ تَرٰاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لاٰ يُبْصِرُونَ فإذا قال العبد لا إله إلا اللّٰه كان خلاقا لهذه الكلمات فتسبح خالقها و يحق لها ذلك و الحق منزه بالأصالة لا بتنزيه المنزه و قد نسب تعالى الخلق لعبده و وصف نفسه بالأحسن فيه في قوله أَحْسَنُ الْخٰالِقِينَ فيعود تسبيح هذه الكلمة و كل كلمة على قائلها فإذا كان العبد من أهل الكشف لما ذكرناه هو الذي نقل عنه من الرجال إنه قال سبحاني و لا علم لمن كفره بذلك
فكن مع القوم حيث كانوا و لا تكن دونهم فتشقى
فإنما القوم أهل كشف أراهم اللّٰه الحق حقا
فهم عباد الإله صدقا رقوا من العلم كل مرقى
و قد تقدم في الحروف في هذا الكتاب كلام مختصر شاف في الباب الثاني من هذا الكتاب في صغارها و كبارها وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الخامس و الستون و أربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله اللّٰه أكبر»
اللّٰه أكبر لا أبغي مفاضلة
فإن افعل تعطيها و تطلبها
و قد تصح إذا جاءت عقائدنا
و إنه بوجود العين يذهبها
إلا إذا كان بالآيات يطلبنا
فإن افعل تأتي و هي تحجبها
وردت السنة بلفظ هذا الذكر و لا سيما في الصلاة و الأذان لها و الإقامة و عقيب الصلاة المفروضة و عند النوم و في مواضع كثيرة و جاء بلفظة افعل و هذه لفظة افعل يأتي في الأغلب بطريق المفاضلة و في أماكن لا تقتضي المفاضلة