الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣٧٩ - ما مال من اتصف بالكمال
لو ثبت للعالم القدم لاستحال عليه العدم و العدم ممكن بل واقع عند العالم الجامع لكن أكثر العبيد فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ فما عرف تجدد الأعيان إلا أهل الحسبان و أثبت ذلك الأشعري في العرض و تخيل الفيلسوف فيه أنه صاحب مرض فجهله بسواد الزنجي و صفرة الذهب و ذهب به مثل هذا المذهب
[من عنت فقد وقت]
و من ذلك من عنت فقد وقت من الباب ٢٤٥ الوقت سيف و منه الخوف كل الخوف زمانك حالك و في إقامتك ارتحالك
فسيرك يا هذا كسير سفينة بقوم قعود و القلاع تطير
المسافر بمركبه جاهل بمذهبه رحله ريح بالمكان الفسيح رأسه في الماء و رجلاه في الهواء فمشيه مقلوب و هو المطلوب لو لا قلبه ما مشى و لو لا قلبه ما وشى إلا لراحة قلبه و ما علم ما احتقبه من ذنبه لو كتم العبد سرا ما قيل له لقد جئت شَيْئاً إِمْراً و لا جئت شَيْئاً نُكْراً و لا أقام لذلك عذرا حتى قال ذٰلِكَ تَأْوِيلُ مٰا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً فلو ترك السر مخزونا ما كان الكليم مفتونا إِنْ هِيَ إِلاّٰ فِتْنَتُكَ عن ذوق مع شدة الشوق
[لا تهب لما تغلب]
و من ذلك لا تهب لما تغلب من الباب ٢٤٦ من هابك غلبته و من استضعفك قويته الهيبة خيبه و لا تكون إلا مع الغيبة الظهور للحضور ما طاب من هاب و من هاب لم يلتذ بوصال الأحباب بل هو في عذاب جمعه كفرقه و حقه في حقه لا تهاب خوفا من الذهاب لو كان للمهابة حكم ما تجلى و لا رؤي عبد بأسمائه تحلى و لا قيل في عبد إنه بربه تخلى و لا دنا و لا تدلى و لا نزل إلى قوله فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّٰى ما ثم سوى عينك فلا تكن جاهلا بكونك لاٰ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لاٰ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ إِلاَّ الْحَقَّ فقد الحق الخلق بالحق قال أين هذا التعالي و ما ثم أعلى من اللّٰه المتعالي فالنزول علو و البعد دنو
[الأنس في الياس]
و من ذلك الأنس في الياس من الباب ٢٤٧ العذاب الحاضر تعلق الخاطر من يئس استراح و حرج من القيد و راح الأنس بالمشاكل و المشاكل مماثل و المثل ضد و الضدية بعد و الأنس بالقرب فما ثم أنس ليس في الأنس خير لما فيه من إثبات الغير من أنس بنفسه فقد جعلها أجنبية و هذا غاية النفس الآبية و من تغرب عن نفسه جهل في جنسه و استوحش في أنسه الأنس بالأنس لا يكون إلا لمغبون و الكتاب المكنون لاٰ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ و ما ثم إلا الجنة و هم منا في أجنة فهم أهل الكمون و عما نالهم كالبطون هو أعلم لكم إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ بأبيكم وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهٰاتِكُمْ ببنيكم فأين التزكية مع هذه التخلية
[من جل مل]
و من ذلك من جل مل من الباب ٢٤٨ الاستبلال لا يرد إلا على الاعتلال و من قال بالحلول فهو معلول و هو مرض لا دواء لدائه و لا طبيب يسعى في شفائه مريض الكون إذا بل أعل فإن الحدوث له لازم به و قائم فمرضه دائم لا يزال على فراشه ملقى و من سهام نوائب زمانه غير موقى فلا يزال غرضا مائلا و هدفا نائلا فهو الصحيح العليل و الكثيب المهيل علته صحيحه و ألسن عباراتها بالحال عنها فصيحة فإن كان الحق قواه فقد بريء من علته و قواه فإن الحق سمعه فانجبر صدعه و إنه بصره فقد نفذ نظره و إنه لسانه فقد فهم بيانه و إنه رجله فقد استقام ميلة و إنه يده فما يطلب من يعضده فمن عرف هذه النحل فقد بريء من جميع العلل فالله شفاؤه و هو داؤه فالمتكبر مقصوم و من كان الحق صفته فهو معصوم
[من تجمل استعمل]
و من ذلك من تجمل استعمل من الباب ٢٤٩ المتجمل مؤتمن و لهذا يغتبن يظهر الجمال و إن كان كاسف البال التجمل مروة و لا يكون إلا من أهل الفتوة من ألحق البنوة بالنبوة فقد ضاعف اللّٰه سموه العلو زيادة في الواجب في أصح المذاهب الهيبة من آثار الجمال على كل حال الجمال محبوب و هو أعز مصحوب من صحبه الجمال لم يزل في اعتلال من زاد شهوده في غلته زاد في علته
إن اللّٰه جميل يحب الجمال فَلاٰ تَضْرِبُوا لِلّٰهِ الْأَمْثٰالَ و إنما ضرب اللّٰه تعالى لنفسه الأمثال لأنه يعلم و نحن لا نعلم و من أعلمه اللّٰه فليكتم لئلا يجرأ فيأثم فاستعذ بالله من المغرم و المأثم كما استعاذ به من ثم
[ ما مال من اتصف بالكمال]
و من ذلك ما مال من اتصف بالكمال من الباب ٢٥٠ الكمال في البرزخ و هو المقام الأشمخ لو مال ما اتصف بالاعتدال مرج البحرين بَيْنَهُمٰا بَرْزَخٌ لاٰ يَبْغِيٰانِ و من البغي ما هو طغيان من بغي طغى من بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللّٰهُ و لو بعد حين ف اُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّٰى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ فإذا أتاك جاء النصر فترمي الباغي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمٰالَتٌ صُفْرٌ فتخرج من المكان الأضيق إلى المنزل الأفيح و الشذا الأعطر الأفوح فعطر النادي ذلك الشذا