الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣٢٢ - إن ملك اللّٰه هي الممكنات و هي أعياننا
نَجْوٰاكُمْ صَدَقٰاتٍ و من كونه من ورائنا محيطا حجبناه و من كونه أنزل نفسه منا منزلة السر و أخفى مع شدة ظهوره بكونه صورة كل شيء و قال قُلْ سَمُّوهُمْ علمنا أنه يريد الإخفاء فأخفيناه و من كونه يقول في نزوله هل من داع دعونا و هل من تائب و من سائل و من مستغفر و أمثال هذا نازلناه و من كونه أعلمنا أنه معنا أينما كنا بطريق الشهود و الحفظ صاحبناه و من كونه أظهرنا بكل صورة ظهر بها لا نزيده عليها في الحال الذي يظهر به في عباده وافقناه و من كونه صادق القول فقال نَسُوا اللّٰهَ مع علمه بأن العالم منا يعلم أنه هوية كل شيء نسيناه و من كونه أنزل قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ اَللّٰهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ نسبا له عند قول اليهود لمحمد ص انسب لنا ربك فنسبناه و من كونه سمى نفسه لنا بأسماء تطلب معانيها تقوم به ما هي عين ذاته من حيث ما يفهم منها مع اختلافها وصفناه و من كونه سمى نفسه بأسماء لا يفهم منها معان تقوم به بل يفهم منها نسب و إضافات كالأول و الآخر و الظاهر و الباطن و الغني
و العلي و أمثال ذلك نعتناه و من قوله لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلاَّ اللّٰهُ لَفَسَدَتٰا فنبه على العلة وحدناه و من كونه في عماء و عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ و جعلنا على أحوال نطلب بها نزول الذكر إلينا و هو كلامه و الصفة لا تفارق الموصوف فإذا نحن لضعفنا نزلناه فإذا نزل إلينا لما طلبناه له بقلوبنا أنزلناه و لما أنزلناه في آنية مخصوصة معينة عينها سبحانه لنفسه حصرناه و باستمرار بقائه بالأين الذي أنزلناه به مع الأناة وصفنا بأنا مسكناه و من كونه حيا و سمى نفسه المحيي و جعلنا بلدا ميتا دعوناه إلى إحيائه و سقيناه و لما عرضنا هذه الصفات التي نسبنا إليه مع ما تقرر عندنا من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و سُبْحٰانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّٰا يَصِفُونَ و كل تسبيح ورد عن اللّٰه تعالى و عن رسوله ص أنكرناه و لما آية بنا من مكان قريب و بعيد لحكمة يريد ظهورها فينا أجبناه و بما استعمله منا في ابتلائنا أعلمناه و من كونه عند عبده في لسانه إذا مرض و قلبه و التجائه و اضطراره إليه عدناه و باستسقاء الظمآن الذي تخيل السراب ماء فلما جاءه لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً سقيناه و باستطعام الجائع أطعمناه و إلى كل ملمة و نازلة مهمة ليرفعها عن الضعفاء دعوناه و بقولنا في دعائنا إياه عن أمره اغفر لنا و ارحمنا و انصرنا أمرناه و بقولنا لاٰ تُؤٰاخِذْنٰا إِنْ نَسِينٰا أَوْ أَخْطَأْنٰا رَبَّنٰا وَ لاٰ تَحْمِلْ عَلَيْنٰا إِصْراً كَمٰا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنٰا رَبَّنٰا وَ لاٰ تُحَمِّلْنٰا مٰا لاٰ طٰاقَةَ لَنٰا بِهِ نهيناه و بقولنا إنه لن يعيدنا كما بدأنا كذبناه و بقولنا إن له صاحبة و ولدا شتمناه و بتكذيبه و شتمه آذيناه و باستفهامه إيانا عن أمور يعلمها أخبرناه و بتلاوتنا كلامه العزيز بالنهار حدثناه و به في ظلام الليل سامرناه و في الصلاة عند ما نقول و يقول ناجيناه و عند سفرنا في أهلنا استخلفناه و عند طلبه منا نصرة دينه نصرناه و إذا لم نطلب سواه شاهد أو غائبا و اعتمدنا عليه في كل حال حصلناه و بمحاسبتنا نفوسنا و هو السريع الحساب سابقناه و بأسمائنا التي أدخلتنا عليه و أعطتنا الحظوة لديه كالخاشع و الذليل و الفقير قابلناه و بكونه سمعنا سمعناه و بصرنا أبصرناه و رأيناه و بما أوجدنا له بلام العلة عبدناه و في اعتمارنا الذي شرع لنا زرناه و في بيته الذي أذن فينا بالحج إليه قصدناه و أملناه و لنيل جميع أغراضنا أردناه و ذلك لما نسب إلى نفسه من الأسماء الحسنى دون غيرها من الأسماء و إن كانت أسماء له في الحقيقة إلا أنه عراها عن النعت بالحسنى فهو عز و جل اللّٰه من حيث هويته و ذاته الرحمن بعموم رحمته التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ الرحيم بما أوجب على نفسه للتائبين من عباده الرب بما أوجده من المصالح لخلقه الملك بنسبة ملك السموات و الأرض إليه فإنه رب كل شيء و مليكه القدوس بقوله وَ مٰا قَدَرُوا اللّٰهَ حَقَّ قَدْرِهِ و تنزيهه عن كل ما وصف به السلام بسلامته من كل ما نسب إليه مما كره من عباده أن ينسبوه إليه المؤمن بما صدق عباده و بما أعطاهم من الأمان إذ أوفوا بعهده المهيمن على عباده بما هم فيه من جميع أحوالهم مما لهم و عليهم العزيز لغلبة من غالبه إذ هو الذي لا يغالب و امتناعه في علو قدسه أن يقاوم الجبار بما جبر عليه عباده في اضطرارهم و اختيارهم فهم في قبضته المتكبر لما حصل في النفوس الضعيفة من نزوله إليهم في خفي ألطافه لمن تقرب بالحد و المقدار من شبر و ذراع و باع و هرولة و تبشيش و فرح و تعجب و ضحك و أمثال ذلك الخالق بالتقدير و الإيجاد البارئ بما أوجده من مولدات الأركان المصور بما فتح في الهباء من الصور و في أعين المتجلي لهم من صور التجلي المنسوبة إليه ما نكر منها و ما عرف و ما أحيط بها و ما لم يدخل تحت إحاطة الغفار بمن ستر من عباده المؤمنين