الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٩١ - القيومية من نعوت الحي
يقول يلتذ بالموت تلذذ آكل العسل و هذه الإشارة فيها غنية لمن نظر و استبصر وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الحي حضرة الحياة»
إن الحياة حياة القلب لا الجسد
كذاق أنزله الرحمن في خلدي
و الناس ليس لهم سوى جسومهم
فإنها عندهم عليه السند
فيهلكون و لا عقل يصدهم
عنها و لو أنهم في الواضح الحدد
و ليس فيهم رشيد في تصرفه
و ما هم من يبيع الغي بالرشد
إن الغواية أصل عندهم و لذا
تراهم عن وجود الحق في حيد
[إن القيومية من لوازم الحي]
يدعى صاحبها عبد الحي و هو نعت إلهي يقول اللّٰه تعالى اَللّٰهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ و قال عز و جل وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ و لما كانت القيومية من لوازم الحي استصحبها في الذكر مع الحي فكل معلوم حي فإن المعلوم هو الذي أعطى العلم به للعالم به و لو كان العدم فإنه لا يعطي إلا من الحياة صفته وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَ النّٰاسِ لاٰ يَعْلَمُونَ لأنهم لا يبصرون فالحياة للحي كنور الشمس للشمس
فكل من يشهده تنوره تنويرها إياه ما تصوره
فيه و حكم الأمر ما تقرره تعطي الذي تعطي و ما تكرره
و إنها من لطفها ما تشعره بأنها هي التي تبصره
كذلك الحي بذاته يحيي به كل من يراه و ما يغيب عنه شيء فكل شيء به حي
«القيوم حضرة القيومية»
إلى القيوم لا أبغي سواه
قطعت مفاوزا فيه و آلا
عسى أحظى بجود ما أراه
يزول بنا فينتقل انتقالا
إذا ما أمت الأفكار ذاتي
يورثها تفكرها خيالا
و يعقبها إذا تمشي إليه
بلا فكر وصالا و اتصالا
[القيومية من نعوت الحي]
يدعى صاحبها عبد القيوم و لما كانت القيومية من نعوت الحي استصحبته فما تذكر إلا و هي معه فهي القيوم عَلىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمٰا كَسَبَتْ فكل معلوم حي فكل معلوم قيوم أي له قيومية و كذلك هو فإنه لو لا أنه قيوم ما أعطى العالم علمه و بعلمه أعطى العالم خلقه لأنه لا يعطيه إلا علمه فيه و علمه فيه إنما كان منه فلا بد أن يظهر في وجوده بخلقه من غير زيادة و لا نقصان و لا يكون إلا كذا و لذا قال موسى رَبُّنَا الَّذِي أَعْطىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ فأخبر بإحاطة علمه و لم يكن ذلك لفرعون مع دعواه الربوبية فعلم فرعون ما قالاه و سكت و تبين له أنه الحق لكن حب الرئاسة منعه من الاعتراف
الذي قام بنا في كوننا يا خليلي إنما قام بنا
فإذا حققت ما فهت به فاحكم إن شئت علينا أو لنا
ما ثنى الجود علينا جوده بسوانا فقل الجود أنا
ما نعمنا بسوانا فانظروا في كلامي تجدوه بينا
فسرت القيومية بذاتها في كل شيء و لهذا قال لنا وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ فلو لا سريان القيومية فينا ما أمرنا و كذلك فعلنا قمنا له و به فمنا شاهدت ذلك عيانا كما شهدته إيمانا و إنما تعجبت ممن يقول بأن القيومية لا يتخلق بها و إنها من خصائص الحق و القيومية بالكون أحق لأنها سارية فيه و بها ظهرت الأسماء الإلهية فبها أقام الكون الحق أن يقيمه و لو لا ذلك ما ظهر للخلق عين و لا حكم الألف قيوم الحروف و ليس بحرف فهو مظهرها و هو لا يشبهها فامتداده لذاته لا يتناهى و امتداد حكمه بإيجاد الحرف غير متناه لأن في طريقه منازل الحروف بالقوة و الاستعداد فإذا انتهى إلى منزل ما من منازلها وقف عنده ليرى أي حرف هو فبرز الحرف فسمى ذلك المكان مخرج ذلك الحرف فيعلمه و هو