الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٦٠ - كان خلق محمد ص القرآن
الايمان من الشك القائم به إن الأمر الذي هو فيه من الشرع ما هو على ما يعطيه الظاهر هذا هو البلاء المبين و إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس يعني من المخالفات و الذي يبدو لله من باطنه خلاف هذا من نور الايمان و الصدق مع اللّٰه في إن هذا الحال التي هو عليها مخالف لأمر اللّٰه فيبكي باطنا و يخالف ظاهرا فيبدو لله منه ما لا يبدو للناس فقد أبان ص في هذا الخبر ما الناس عليه في أنفسهم ثم لتعلم إن في ترجمة هذه المنازلة من الحق إشارة لطيفة المعنى في استفهامه عز و جل عما هو به عالم مثل
قوله لملائكته كيف تركتم عبادي و الملائكة تعلم أنه تعالى أعلم بعباده منهم أَ لاٰ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ و جميع ما هم فيه خلقه تعالى وَ هُوَ اللَّطِيفُ بسؤاله اَلْخَبِيرُ بما سأل عنه لأنه واقع فكل علم عنده عن وقوع فهو به خبير و تعلقه به قبل وقوعه هو به عليم فمن أدب الملائكة لعلمهم بما قصد الحق منهم
أجابوه تعالى فقالوا تركناهم و هم يصلون و أتيناهم و هم يصلون لأن عروج الملائكة عنهم و نزولهم عليهم كان عند صلاة العصر و صلاة الصبح كذا ورد الخبر فأقول مجيبا للحق عرفتهم لما عرفت آدابك فنسبتهم إليك فقلت هؤلاء أولياء اللّٰه و علامتهم إذا رأوا ذكر اللّٰه لتحققهم بالله و ليس إلا العبودة المحضة الخالصة التي لا تشوبها ربوبية بوجه من الوجوه فهذه آدابك و كل نعت يرى فيهم فيه رائحة ربوبية فهو أدب الخلافة لا أدب الولاية فالولي ينصر و لا ينتصر و الخليفة ينتصر و ينتصر و الزمان لا يخلو من منازع و الولي لا يسامح فإن سامح فليس بولي و لا يؤثر على جناب الحق شيئا فهو كله لله و الخليفة هو لله في وقت و للعالم في وقت فوقتا يرحج جناب الحق غيرة و وقتا يرجح جناب العالم فيستغفر لهم مع ما وقع منهم مما يغار له الولي و هؤلاء هم المفردون الذين تولى اللّٰه آدابهم بنفسه يقول الخليفة لأزيدن على السبعين في وقت و يدعو على رعل و ذكوان و عصية في وقت و أين الحال من الحال فالخليفة تختلف عليه الأحوال و الولي لا تختلف عليه الحال فالولي لا يتهم أصلا و الخليفة قد يتهم لاختلاف الحال عليه فما يدعي دعوى إلا و عجزه يكذبه مع صدقه حال آخر يبدو منه فآداب الأولياء آداب الأرواح الملكية أ لا ترى إلى جبريل ع يأخذ حال البحر فيلقمه في فم فرعون حتى لا يتلفظ بالتوحيد و يسابقه مسابقة غيرة على جناب الحق مع علمه بأنه قد علم أنه لا إله إلا اللّٰه و غلبه فرعون فإنه قال كلمة التوحيد بلسانه كما أخبر اللّٰه تعالى عنه في الكتاب العزيز و الخليفة يقول لعمه قلها في أذني أشهد لك بها عند اللّٰه و هو يأبى و أين هذا الحال من حال قول الخليفة الآخر رَبِّ لاٰ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكٰافِرِينَ دَيّٰاراً و لعلهم لو طال عليهم الأمد لرجعوا أو في أصلابهم من يؤمن بالله فتقر به أعين المؤمنين فآداب الأولياء غضب في اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ لا رجوع فيه و رضاء في المرضي عنهم لا رجوع فيه فإن ذلك أدب الحق و الحق الواقع الواجب وقوعه و آداب الخلفاء الرضاء في المرضي عنهم و العفو وقتا و الغضب وقتا في اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ و لهذا خص الأولياء دون غيرهم في
قوله هل عرفت أوليائي و الكل أولياء و لكن أولياء الأسماء الإلهية و هؤلاء أولياء الإضافة فهم أولياء إنية لا أولياء أسماء و سأعرفك بالفرق بين أسماء الكنايات و الأسماء الظاهرة إن شاء اللّٰه في باب الأسماء من آخر هذا الكتاب وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب السادس و الأربعون و أربعمائة في معرفة منازلة
في تعمير نواشئ الليل فوائد الخيرات»
نواشئ الليل فيها الخير أجمعه
فيها النزول من الرحمن بالكرم
يدنو إلينا بنا حتى يساعدنا
بما يدليه من طرائف الحكم
فالكل يعبده و الكل يشكره
إلا الذي خص بالخسران و النقم
إن الولي تراه وقت غفلته
يبكي و يدعوه في داج من الظلم
يا رب يا رب لا يبغي به بدلا
خلقا عظيما كما قد جاء في القلم
[كان خلق محمد ص القرآن]
قال اللّٰه تعالى وَ إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ و قال إِنَّ نٰاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلاً و
لما سألت عائشة عن خلق رسول اللّٰه ص قالت كان خلقه القرآن و إنما قالت ذلك لأنه أفرد الخلق و لا بد أن يكون ذلك الخلق المفرد جامعا لمكارم الأخلاق كلها و وصف اللّٰه ذلك الخلق بالعظمة كما وصف القرآن في قوله وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ فكان القرآن