الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣٦١ - ترك الأغيار من الأغيار
خيره و شره و البعث الآخر إلى الدار الحيوان و ثلث بالإحسان و هو إنزال المعنى الروحاني منزلة المحسوس في العيان و ليس إلا عالم الخيال الحاكم بالوجوب و الوجود في الممكن و المحال و في كل ما يحققه إذا أجابه يصدقه و الحاضر يتعجب من تصديق بلا برهان و ذهل عن العلم الضروري الذي في الإنسان و ما علم الحاضر من السائل كما لم يعلم ما أتى به من المسائل فاعلم الرسول من هو السائل و المسئول و إنهم المقصودون بذلك السؤال في صورة الخيال
[فضل البشر على سائر الصور]
و من ذلك فضل البشر على سائر الصور من الباب ١٥٦ بالصورة علا و فضل و بها نزل و سفل إذ جار و ما عدل فحاز المقام الأدنى في الآخرة و الأولى فالعالي يقول وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضىٰ و الأعلى يقال له وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضىٰ العالي يقول رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي و الأعلى تقرر عليه النعم أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَ وَضَعْنٰا عَنْكَ وِزْرَكَ اَلَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ العالي يدعو اِجْعَلْ لِي لِسٰانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ و الأعلى يقال له وَ رَفَعْنٰا لَكَ ذِكْرَكَ يعني في المقربين و الأسفل في أسفل سافلين بالطين و الماء المهين و إن تساووا في النشأة العنصرية بالقرار المكين و التنقل في الأطوار و الانحصار خلف الأسوار بالكل و البعض و الإبرام و النقض و التقويم و البناء و القالة بالثناء فمحمد و مذمم و مؤخر و مقدم و ما فضل القديم إلا المخلوق فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ فهو العالم لا بل هو العلام مصباح الظلام معين الأيام الإمام ابن الإمام المؤتي جوامع الكلم و جميع الأسماء و الكلام فأفصح و أبان لما عَلَّمَهُ الْبَيٰانَ و وضع له الميزان فأدخله في الأوزان وزان و ما شأن لما ظهرت للملإ الأعلى طينته جهلت قيمته و نظر إلى الأضداد فقال بالفساد و غاب عن القبضة البيضاء و حميد الثناء بما أعطى من علم الأسماء و لم يكن الملأ الأعلى سمع بالصورة التي أعطته السورة فحمل الخلافة على من تقدم من القطان في تلك الأوطان فلو علم أنه خليفة الحق لأذعن و سلم و ما اعترض و لا نطق ثم ظهر في بنيه ما قاله من المقالة
[نزول الأملاك من الأفلاك في الأحلاك]
و من ذلك نزول الأملاك من الأفلاك في الأحلاك من الباب ١٥٧ إنما جعلت النجوم مصابيح لما بيدها من المفاتيح فكل مصباح مفتاح و لكل مفتاح اسم إلهي فتاح إنما تفتح المغالق لإظهار ما وراءها من الحقائق و الأنوار تظهر للابصار ما سترته الأحلاك و هو ما في الأمر من الاشتراك فلذلك قلنا إن المصباح المفتاح فإذا تنزلت الأملاك على قلوب النساك أوحت إليها ما أوحت و أمطرت أنواءها بعد ما أصحت فمنها ما أمست و منها ما أضحت و لا يجوز المجد الشامخ إلا أصحاب البرازخ و هم ما بين المساء و الصباح من عالم الأجساد و الأرواح فالليل زمان النيل و النهار زمان جر الذيل لا يظهر حكم الخيلاء إلا في الصباح و المساء حركات محدودة و أنفاس معدودة و صدور منشرحة منسرحة و أبواب مفتحة لا يعرف ما تحوي عليه إلا القائم بين يديه فإذا وهبه ما لديه عول عليه فلا يدخله فيه ريب و كان ممن قيل فيه إنه يعلم الغيب الأملاك ذو الأبناء و هم تلامذة أول الآباء أين المنزلة من المنزلة فالبنون ما عندهم من العلم إلا ما نقل إليهم الملأ الأعلى مما استفاده من أبيهم بقدر الفهم فالملأ الأعلى وسائط و بيننا و بين أبينا روابط فبضاعتنا ردت إلينا و بها نزلوا علينا فما في أيدينا سوى مال أبينا و للملإ الأعلى أجر أداء الأمانة و التنزه عن الخيانة فإنهم من أولي العصمة و ممن اكتسب من أبينا الرحمة أين ذلك الانقباض و فظاظة الاعتراض من هذا اللطف الخفي و الإبلاغ من المبلغ الحفي و الحمد لله المنعم المفضل و الشكر للمحسن المجمل
[ترك الأغيار من الأغيار]
و من ذلك ترك الأغيار من الأغيار من الباب ١٥٨ التروك و إن كانت عدما فهي نعوت فالزم السكوت الأمر بالشيء نهي عن ضده و هو ترك و هذا شرك الترك على جهة القربة من صفات الأحبة في الترك ملك المتروك فأنت من الملوك و إن كنت المملوك من ترك الغير فقد رأى أنه غير و ما لغير عين فقد شهد على نفسه بأنه جاهل بالكون و إذا ثبت أن ثم الجاهل ثبت أن الغير حاصل لا بد من حل و عقد.فلا بد من رب و عبد فقد ثبت الجمع و تعين الشفع لا يترك الأغيار إلا الأغيار و أما الحق فلا يترك الخلق لو تركه من كان يحفظه و يقوم به و يلحظه فمن التخلق بأسماء الحق الاشتغال بالله و بالخلق لو تركت الأغيار لتركت التكليف الذي وردت به الأخبار و لو تركته لكنت