الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٤٦ - الوعد و الوعيد
و هو قوله وَ مٰا أَمْرُنٰا إِلاّٰ وٰاحِدَةٌ ثم شبه الإمضاء بلمح اَلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ و كذلك هو أقرب فانظر حكمة اللّٰه تعالى في هذا التشبيه و ما حوته تلك اللمحة من الكثرة في الوحدة فعندها تعرف ما هو الأمر فأثبت و لا تفشه تكن من الأمناء الأخفياء الأبرياء
[العلم و المشيئة ثابتان لله تعالى]
و اعلم أن قوله تعالى لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ و لَوْ عَلِمَ اللّٰهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ يقتضي نفي العلم بكذا و نفي المشيئة عن الحق كما يقتضي قوله قَدْ يَعْلَمُ اللّٰهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوٰاذاً و قوله يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ فأثبت العلم و المشيئة معا لله و علم اللّٰه لا يخلو من أحد أمرين و كذلك إرادته إما أن تكون صفة له قائمة به زائدة على ذاته و إن كان مثبتو الصفات يقولون لا هي هو و لا هي غيره و لكن لا بد أن يقولوا بأنها زائدة كما يعتقده الأشعري أو تكون عين ذاته إلا أن لها نسبة خاصة لأمر ما تسمى بتلك النسبة علما و هكذا سائر ما تسمى به مما يطلبه تعالى فما أثبت و لا نفي إلا تعلق العلم و الإرادة و لكن ما ورد الكلام إلا بنفي العلم بأمر ما و الإرادة فتعلم قطعا إن نفي العلم علم و أن العلم تابع للمعلوم يصير معه حيث صار و يتعلق به على ما هو عليه في نفسه و ذاته لا ينتفي عنها الوجود و لا كل ما ثبت له القدم من صفة و غيرها فما بقي أن ينتفي إلا التعلق الخاص و هو أمر يحدث أو نسبة كيف شئت فقل و لا يتوجه النفي و الإثبات إلا على حادث أي على ممكن سواء كان ذلك الحكم موصوفا بالوجود أو بالعدم فناب العلم هنا مناب التعلق حين نفيته بأداة لو في قوله لَوْ عَلِمَ و لَوْ شٰاءَ فما علم و ما شاء هذا هو الأمر الحادث المعين فقد علم أنه لو علم و لا يقال أنه قد شاء أن يقول لو شاء فإن المشيئة متعلقها العدم و لا يصح أن يحدث القول في ذات اللّٰه فإنه ليس بمحل للحوادث فلا يقال قد شاء أن يقول و التحقيق أنه ما أراد من المراد إلا ما هو المراد عليه من الاستعداد في حال العدم أن يكون به في حال الوجود أو يتصف به عند انتفائه عن الوجود أو انتفاء حكم الوجود عنه كيف شئت فقل و لما بان الفرقان بين المشيئة و العلم علمنا أنهما نسبتان لذات العالم و المريد أو صفتان في مذهب من يقول بالصفات من المتكلمين و لو لا علمنا بالأصل الذي هون علينا سماع مثل هذا لكانت الحيرة في اللّٰه أشد و الأصل ما هو إلا أن اللّٰه تعالى ما أرسل رسولا إِلاّٰ بِلِسٰانِ قَوْمِهِ لأنه يريد إفهامهم فمن المحال أن يخرج في خطابه إياهم عما تواطئوا عليه في لسانهم فوجد العاقل في ذلك راحة و أما أهل الشهود فلا راحة عندهم في ذلك لما رأوه من اختلاف الصور على المشهود فما هم مثل أهل اللسان و جاءت الطبقة العليا فقالت علمنا أن الشهود تابع للاعتقاد كما إن الخطاب تابع لما تواطأ عليه أهل ذلك اللسان فهان عليهم الأمر فرأوه في كل معتقد كما فهموه في كل لسان فما حاروا و اهتدوا وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الخامس و الثلاثون و أربعمائة في معرفة منازلة
أخذت العهد على نفسي فوقتا وفيت
و وقتا على يد عبدي لم أف و ينسب عدم الوفاء إلى عبدي فلا تعترض فإني هناك»
وعدنا و أوعدنا فأما وعيدنا
فاتركه إن شئت و الوعد ناجز
فإني كريم و الكريم نعوته
كما قد ذكرنا و القضاء يناجز
فإن هم إنفاذ الوعيد لصدقه
تلقاه قرم للسماح مبارز
فيردعه عن همه بنفوذه
لأن له الرحى فمنها يبارز
و ليس يرى الإنفاذ إلا مقصر
جهول بما قلنا عن الحق عاجز
[الوعد و الوعيد]
قال اللّٰه تعالى إن اللّٰه لا يضيع (إِنّٰا لاٰ نُضِيعُ)أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً هذا في الوعد و قال في الوعيد فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشٰاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشٰاءُ فاعلم إن هذه المنازلة هي قوله إن رحمتي تغلب غضبي و هي قوله وَ مٰا تَشٰاؤُنَ إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ فإذا وعد العبد وعدا و شاء اللّٰه أن يخلف ذلك العبد وعده و ما عاهد عليه شاء من العبد أن يشاء نقض العهد و لو لا ذلك ما تمكن للمخلوق أن يشاء فشاء العبد عند ذلك نقض العهد و إخلاف الوعد بمشيئة اللّٰه في خلق مشيئة العبد فهو
قوله و وقتا لم أف فلا تعترض على العبد فإنه مجبور في اختياره بمشيئتي و لكن ينبغي لصاحب هذه المنازلة إذا رأى من وقع منه مثل هذا أن ينظر إلى خطاب الشرع فيه فإن رأى أن ذلك المحل الظاهر منه مثل هذا من نقض العهد و إخلاف الوعد قد أطلق الحق عليه لسان الذم فيذمه بذم الحق فيكون حاكيا و لا يذمه بنفسه هذا هو الأدب و ليس ذلك إلا في الخير كما يقيم