الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٣٢ - أن اللّٰه ما خلق شيئا إلا في مقام أحديته التي بها يتميز عن غيره
نفس الأمر فكما أنه للكثرة أحدية تسمى أحدية الكثرة كذلك للواحد كثرة تسمى كثرة الواحد و هي ما ذكرناه فهو الواحد الكثير و الكثير الواحد و هذا أوضح ما يذكر في هذه المسألة وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«حضرة السمع»
أسمع الحق يا أخي نداكا
إنه سامع عليم بذاكا
لو جفوت الجناب يوما بأمر
لم تجده يوما له قد جفاك
[حضرة النفس و هو العماء]
يدعى صاحب هذه الحضرة عبد السميع لأنه مسموع فيتضمن الكلام لأنه مسموع و كذا الأصوات فهذه الحضرة تتعلق بحضرة النفس و هو العماء و قد تقدم له باب يخصه كبير مبسوط إلا أني أومي إلى نبذ من هذه الحضرة مما لم نذكره في باب النفس يطلب السمع في حضرته و ليس إلا تلاوة الكتب الإلهية تلاها من تلاها على جهة التوصيل فلا بد لحكم هذه الحضرة فيها و ليس إلا السمع لَقَدْ سَمِعَ اللّٰهُ قَوْلَ الَّذِينَ قٰالُوا إِنَّ اللّٰهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِيٰاءُ و قال إِنَّمٰا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ و قال كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمٰا لاٰ يَسْمَعُ إِلاّٰ دُعٰاءً وَ نِدٰاءً و قال وَ لاٰ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ هُمْ لاٰ يَسْمَعُونَ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ من هذه الحضرة سمع كل سامع غير إن الموصوفين بأنهم يسمعون مختلفون في القبول فمنهم سامع يكون على استعداد يكون معه الفهم عند سماعه بما أريد له ذلك المسموع و لا يكون ذلك إلا لمن كان الحق سمعه خاصة و هو الذي أوتي جميع الأسماء و جوامع الكلم و كل من ادعى هذا المقام من العطاء أعني الأسماء و جوامع الكلم و سمع و لم يكن عين سمعه عين فهمه فدعواه لا تصح و هو الذي له نصيب في قوله تعالى وَ لاٰ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ هُمْ لاٰ يَسْمَعُونَ و السماع المطلق الذي لكل سامع إنما هو للذي لاٰ يَسْمَعُ إِلاّٰ دُعٰاءً وَ نِدٰاءً و قد لا يعلم من نودي فذلك هو الأصم لأن لكل صورة روحا و روح السماع الفهم الذي جاء له المسموع قال تعالى صُمٌّ و إن كانوا يسمعون بُكْمٌ و إن كانوا يتكلمون عُمْيٌ و إن كانوا يبصرون فَهُمْ لاٰ يَرْجِعُونَ لما سمعوا و لا يرجعون في الاعتبار إلى ما أبصروا و لا في الكلام إلى الميزان الذي به خوطبوا مثل قوله تعالى أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ مٰا لاٰ تَعْلَمُونَ و أَنْ تَقُولُوا مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ و تَأْمُرُونَ النّٰاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ و أصحاب هذه الصفات أيضا كما لا يرجعون فإن الحق قد أخبر عنهم في منزلة واحدة إنهم لا يعقلون من العقال أي لا يتقيدون بما أريد له ذلك المسموع و لا المبصر و لا المتكلم به من الذي تكلم فإن اللّٰه عند لسان كل قائل يعني سميعا يقيده بما سمع منه فلا يتخيل قائل إن اللّٰه أهمله و إن أمهله مٰا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّٰ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ يحصي عليه ألفاظه التي يرمي بها لا يترك منها شيئا حتى يوقفه عليها إما في الدنيا إن كان من أهل طريقنا و إما في الآخرة في الموقف العام الذي لا بد منه و كل صوت و كلام من كل متكلم و صامت إذا أسمعه الحق تعالى من أسمعه فإنما أسمعه ليفهمه فيكون بحيث ما قيل له و نودي به و أقله النداء و أقل ما يتعلق بالنداء الإجابة و هو أن يقول لبيك فيهيئ محله لفهم ما يقال له أو يدعى إليه بعد النداء كان ما كان فإذا كان الحق السميع نداء العبد نادى العبد من نادى أما الحق و أما كونا من الأكوان فإن اللّٰه يسمع ذلك كله لأنه مٰا يَكُونُ مِنْ نَجْوىٰ ثَلاٰثَةٍ إِلاّٰ هُوَ رٰابِعُهُمْ وَ لاٰ خَمْسَةٍ إِلاّٰ هُوَ سٰادِسُهُمْ وَ لاٰ أَدْنىٰ مِنْ ذٰلِكَ وَ لاٰ أَكْثَرَ إِلاّٰ هُوَ مَعَهُمْ يسمع ما يتناجون به و لذلك قال لهم فَلاٰ تَتَنٰاجَوْا بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ و تَنٰاجَوْا بِالْبِرِّ وَ التَّقْوىٰ وَ اتَّقُوا اللّٰهَ فإنه مَعَكُمْ أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ فيما تتناجون به فإنكم إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ و إن كان معهم فكنى بالحشر إذا فتح اللّٰه بإزالة الغطاء عن أعينهم فيرون عند ذلك من هو معهم فيما يتناجون به فيما بينهم فعبر عنه بالحشر للسؤال عما كانوا فيه و أما ذكره تعالى بأنه يشفع فرديتهم و يثني أحديتهم في قوله وَ لاٰ أَدْنىٰ مِنْ ذٰلِكَ وَ لاٰ أَكْثَرَ فهل يريد به أيضا أفراد شفعيتهم كما شفع وتريتهم أو لا يكون أبدا إلا مشفعا فرديتهم خاصة كما نص عليه
[أن اللّٰه ما خلق شيئا إلا في مقام أحديته التي بها يتميز عن غيره]
فاعلم وفقك اللّٰه أن اللّٰه ما خلق شيئا إلا في مقام أحديته التي بها يتميز عن غيره فبالشفعية التي في كل شيء يقع الاشتراك بين الأشياء و بأحدية كل شيء يتميز كل شيء عن شيئية غيره و ليس المعتبر في كل شيء إلا ما يتميز به و حينئذ يسمى شيئا فلو أراد الشفعية لما كان شيئا و إنما يكون شيئين و هو إنما قال إِنَّمٰا قَوْلُنٰا لِشَيْءٍ و لم يقل لشيئين فإذا كان الأمر على ما قررناه ثم جاء الحق لكل شيء بصورته التي خلقه اللّٰه عليها فقد شفع ذلك الشيء كما يشفع الرئي صورته برؤيته