الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣٤٤ - سر الأمل مع توقع الأجل
و الإكرام فالتزم الجلال و الإكرام التزم الألف و اللام فكان الجلال للتنزيه عن التشبيه و كان الإكراه للتنويه به في نفي التشبيه بالشبيه فقال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ مع أنه ظل و فيء فجعله مثلا لا يماثل و مفضولا لا يفاضل فليل هذه النشأة جسمه الطبيعي و نهاره ما نفخ فيه الروح العقلي فكان أعدل الفتائل لقبول كرم الشمائل فله الألطاف الخفية و جزيل الأعطية المنزهة عن الكمية لها فتح الباب و العطاء بغير حساب النشأة الإنسانية بجميعها ليل و في الثلث الآخر منها يكون النزول الإلهي لينيله أجزل النيل و لم يكن الثلث الأخير إلا الروح المنفوخ الذي له الثبات و الرسوخ و العلو على الثلثين و الشموخ فالثلث الأول هيكله الترابي و الثلث الثاني روحه الحيواني و الثلث الأخير به كان إنسانا و جعل الباقي له أعوانا
[سر تعشق القوم بالنوم]
و من ذلك سر تعشق القوم بالنوم من الباب ٩٦ الخيال عين الكمال لولاه ما فضل الإنسان على سائر الحيوان به جال و صال و افتخر و طال و به قال ما قال من سبحاني و إنني أنا اللّٰه و به كان الحليم الأواه فله الشتات و الجمع بين أضداد الصفات حكم على المحال و الواجب بما شاءه من المذاهب يخرق فيهما العادة و يلحقهما بعالم الشهادة فيجسد عما في عين الناظر و يلحق الأول في الحكم بالآخر لا يثبت على حال و له الثبوت على تقلب الأحوال فله من آي القرآن ما جاء في سورة الرحمن من أنه تعالى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فَبِأَيِّ آلاٰءِ رَبِّكُمٰا تُكَذِّبٰانِ و لا بشيء من آلائك ربنا نكذب فإنا من جملة نعمائك
[سر الحذر من القدر لاتقاء الضرر]
و من ذلك سر الحذر من القدر لاتقاء الضرر من الباب ٩٧ سر القدر وساطة الحق بين المؤثر و المؤثر فيه و الأثر فينسب الأثر إليه و هو ما أوجده إلا على ما كان عليه و لا شيء منه في يديه ما حكم فيه إلا بما أعطاه من ذاته في ذاته و في جميع أحواله و أسمائه و صفاته و الذي يختص بالموجود أعطى الوجود و الشهود و هي نسب لا أعيان و تكوينات لا أكوان و العين هي العين لا أمر زائد فالشأن واحد فمن سر القدر كان العالم سمع الحق و البصر و هذا العلم هو الذي يعطيه إقامة الفرائض المشروعة الواجبة المسموعة كما أعطت النوافل أن يكون الحق سمعك و بصرك فحقق فيما أبديته لك نظرك فإنك إذا علمت حكمت و نسبت و نصبت و كنت أنت أنت و صاحب هذا العلم لا يقول قط أنا اللّٰه و حاشاه من هذا حاشاه بل يقول أنا العبد على كل حال و اللّٰه الممتن علي بالإيجاد و هو المتعال
[سر الأمان من الايمان]
و من ذلك سر الأمان من الايمان من الباب ٩٨ أخوة الايمان تعطي الأمان و الايمان يمان فذهب الحرمان لا تخيفوا النفوس بعد أمنها إن كنتم عقلا وَ لاٰ تَتَّخِذُوا أَيْمٰانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ إن كنتم أمنا الايمان برزخ بين إسلام و إحسان فله من الإسلام ما يطلبه عالم الأجسام و محل الانقسام و له من الإحسان ما يشهد به المحسان فمن آمن فقد أسلم و أحسن و من جمع بين الطرفين فاز بالحسنيين بالإيمان ثبت النسب بينك و بين الرحمن فهو المؤمن بك و لك و إن أقامك فيما يناقض أملك لو لا أسماء الحذر ما كان للأمان أثر قيدت الأسماء بالحسنى لدلالتها على المسمى الأسنى فإن نظر العالم إلى تشتت مبانيها و اختلاف معانيها و فيما ذا تتحد و بما ذا تنفرد بإخوة الايمان ترث فلا تأسف على إخوة النسب و لا تكترث المؤمن أخو المؤمن لا يسلمه و ما ترك فهو يتسلمه الايمان و الإحسان إخوان و الإسلام بينهما نسب رابط فلا تغالط الإسلام صراط قويم و الايمان خلق كريم عظيم و الإحسان شهود القديم لو لا الإحسان ما عرف صورته الإنسان فإن الايمان تقليد و العلم في شاهد و مشهود إذا صح الانقياد كانت علامته خرق المعتاد المؤمن من أمن جاره بواثقه و المحسن من قطع منه علائقه و المسلم من حقق عوائقه و جعلها إلى مطلوبه طرائقه فسلك فيها سواء السبيل و لم يجنح إلى تأويل فعرس في أحسن مقيل في خفض عيش و ظل ظليل فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَ طَلْحٍ مَنْضُودٍ ... وَ مٰاءٍ مَسْكُوبٍ وَ فٰاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لاٰ مَقْطُوعَةٍ وَ لاٰ مَمْنُوعَةٍ وَ فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ
[سر الأمل مع توقع الأجل]
و من ذلك سر الأمل مع توقع الأجل من الباب ٩٩ من مال إلى الآمال اخترمته الآجال لله رجال أعطاهم التعريف طرح التسويف فأزال عنهم الحذر و الخوف السين و سوف تعبدهم الحال في زمان الحال ليس بالمؤاتي من اشتغل بالماضي و الآتي إذا علم صاحب الأمل إن كل شيء يجري إلى أجل اجتهد في العمل فإذا انقضى العدد و انتهت المدد و طال الأمد و جاء الرحيل و وقف الداعي على رأس السبيل لم يحز قصب السبق إلا المضمر المهزول في الحق إنما لم يصح الأمل في السبب الأول و لا كان من صفات الأزل لأنه ما ثم ما يؤمل فإن العين مشهود