الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٢٧ - الرفعة لله تعالى بالذات و للعبد بالعرض
فلو لا وجود الحق ما بان كائن
و لو لا وجود الخلق ما كنت تخفيه
فمن حضرة الخفض ظهر الحق في صورة الخلق
فقال كنت سمعه و بصره الحديث و قال تعالى فَأَجِرْهُ حَتّٰى يَسْمَعَ كَلاٰمَ اللّٰهِ و قال مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ كما قال فيه وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ مٰا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاٰغُ فلو لا حكم النسب و تحقيق النسب ما كان للأسباب عين و لا ظهر عندها أثر و أنت تعلم أن استناد أكثر العالم إلى الأسباب فلو لا إن اللّٰه عندها ما استند مخلوق إليها فإنا لم نشاهد أثرا إلا منها و لا عقلناه إلا عندها فمن الناس من قال بها و لا بد و من الناس من قال عندها و لا بد و نحن و من شاهد ما شاهدنا نقول بالأمرين معا عندها عقلا و بها شهودا و حسا كما قدمنا في الاقتدار و القبول فذلك هو الأصل الذي يرجع إليه الأمر كله فاعبده و توكل عليه فهل طلب منك ما ليس لك فيه تعمل وَ مٰا رَبُّكَ بِغٰافِلٍ عَمّٰا تَعْمَلُونَ فلا بد من حقيقة هنا تعطي الإضافة في العمل إليك مع كونه خلقا لله تعالى كما قال وَ اللّٰهُ خَلَقَكُمْ وَ مٰا تَعْمَلُونَ أي و خلق ما تعملون و أهل الإشارة جعلوا هنا ما نافية فالعمل لك و الخلق لله فما أضاف إليه تعالى عين ما أضافه إليك إلا لتعلم إن الأمر الواحد له وجوه فمن حيث ما هو عمل أضافه إليك و يجازيك عليه و من حيث ما هو خلق هو لله تعالى و بين الخلق و العمل فرقان في المعنى و اللفظ فلا تحجب عن معرفة هذا فإنه لطيف خفي وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«حضرة الرفعة»
يرفع المؤمن المهيمن قوما
آمنوا فوق غيرهم درجات
فتراهم بهم نفوسا سكارى
داخلات في حكمه خارجات
و رأينا لديه فتيان صدق
عاملوه بالصدق في فتيات
طاهرات من الخنا معلنات
بشهادات حقه مؤمنات
[الرفعة لله تعالى بالذات و للعبد بالعرض]
يدعى صاحبها عبد الرفيع قال اللّٰه تعالى رَفِيعُ الدَّرَجٰاتِ ذُو الْعَرْشِ فالرفعة له سبحانه بالذات و هي للعبد بالعرض و إنها على النقيض من حضرة الخفض في الحكم فإن الخفض للعبد بالأصالة و الرفعة للحق و اعلم أيدنا اللّٰه و إياك بِرُوحٍ مِنْهُ أن هذه الحضرة من حضرات السواء التي لها موقف السواء في المواقف التي بين كل مقامين يوقف في كل موقف منها العبد ليعرف بآداب المقام الذي ينتقل إليه و يشكر على ما كان منه من الآداب في المقام الذي انتقل عنه و إنما سمي موقف السواء أو حضرة السواء لقوله تعالى عن نفسه إنه رَفِيعُ الدَّرَجٰاتِ فجعل له درجات ظهر فيها لعباده و قال في عباده العلماء به يَرْفَعِ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجٰاتٍ يظهر فيها العلماء بالله ليراهم المؤمنون ثم إنه من حكم هذه الحضرة السوائية في رفع الدرجات التسخير بحسب الدرجة التي يكون فيها العبد أو الكائن فيها كان من كان فيقتضي له أي للكائن فيها إن يسخر له من هو في غيرها و يسخره أيضا من هو في درجة أخرى و قد تكون درجة المسخر اسم مفعول أعلى من درجة المسخر اسم فاعل و لكن في حال تسخير الأرفع بما سخره فيه شفاعة المحسن في المسيء إذا سأل المسيء الشفاعة فيه و في حديث النزول في الثلث الباقي من الليل غنية و كفاية وَ شِفٰاءٌ لِمٰا فِي الصُّدُورِ لمن عقل و لما كانت الدرجة حاكمة اقتضى أن يكون الأرفع مسخرا اسم مفعول و تكون أبدا تلك الدرجة أنزل من درجة المسخر اسم فاعل و الحكم للأحوال كدرجة الملك في ذبه عن رعيته و قتاله عنهم و قيامه بمصالحهم و الدرجة تقتضي له ذلك و التسخير يعطيه النزول في الدرجة عن درجة المسخر له اسم مفعول قال اللّٰه عز و جل وَ رَفَعْنٰا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا فافهم ثم إنه أمر عباده و نهاهم كما أمر عباده أيضا أن يامروه و ينهوه فقال لهم قولوا اغفر لنا و ارحمنا في مثل الأمر و يسمى دعاء و رغبة و في مثل النهي لاٰ تُؤٰاخِذْنٰا إِنْ نَسِينٰا أَوْ أَخْطَأْنٰا لاٰ تَحْمِلْ عَلَيْنٰا إِصْراً لاٰ تُحَمِّلْنٰا مٰا لاٰ طٰاقَةَ لَنٰا بِهِ و أمر اللّٰه أن نقول أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللّٰهِ إِذٰا عٰاهَدْتُمْ و النهي لاٰ تَنْقُضُوا الْأَيْمٰانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهٰا لاٰ تُخْسِرُوا الْمِيزٰانَ و أمثال ذلك فنظرنا في السبب الذي أوجب هذا من اللّٰه أن يكون مأمورا منهيا على عزته