الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ١٢٣ - إن اللّٰه يبدل السيئات بالحسنات
سُبْحٰانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّٰا يَصِفُونَ وَ سَلاٰمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ ف لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ و ذلك هو الفضل المبين أقول له أنت يقول لي أنت أقول له فإنا يقول لي لا بل أنا فأقول له فكيف الأمر فيقول كما رأيت فأقول فما رأيت إلا الحيرة فلا تحصيل مني و لا توصيل منك فيقول قد أوصلتك فأقول فما بيدي شيء فيقول هو ذاك الذي أوصلت فعليه فاعتمد و بالله فاتئد
فما في الكون من يدري سواه و من يدرك سواه فما دراه
و من يدرك مع الخلاق خلقا فإن اللّٰه من جهل حماه
و من يدرك مع المخلوق حقا يراه و ما يراه فما تراه
وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب السابع و الثمانون و أربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله و من يعمل من الصالحات (مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً)مِنْ
ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيٰاةً طَيِّبَةً »
لكل شيء من الأشياء ميزان
فكل شيء له نقص و رجحان
فالصالحون لهم وزن يخصهم
و الطالحون لهم في الحق ميزان
فمن يقوم بوزن في تقلبه
يسعد و إن جاءه في ذاك برهان
لأن ميزانه و في حقيقته
و لو يساعده في ذاك شيطان
لذاك قال لمن و في طريقته
من خلقه ما له عليه سلطان
[إن اللّٰه يبدل السيئات بالحسنات]
قال اللّٰه تعالى اَلطَّيِّبٰاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبٰاتِ و إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصّٰالِحُ فالعمل الصالح له الحياة الطيبة و هي تعجيل البشرى في الحياة الدنيا كما قال تعالى لَهُمُ الْبُشْرىٰ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا فيحيا في باقي عمره حياة طيبة لما حصل له من العلم بما سبق له من سعادته في علم اللّٰه مما يؤول إليه في أبده فتهون عليه هذه البشرى ما يلقاه من المشقات و العوارض المؤلمة ف إِنَّ وَعْدَ اللّٰهِ حَقٌّ و كلامه صدق و قد خوطب بالقول الذي لا يبدل لديه و كذلك أيضا للعمل الصالح التبديل فيبدل اللّٰه سيئاته حسنات حتى يود لو أنه أتى جميع الكبائر الواقعة في العالم من العالم كله على شهود منه عين التبديل في ذلك و لقد لقيت من هو بهذه الحال بمكة من أهل توزر من أرض الحرير و لقيت أيضا بإشبيلية أبا العباس العريبي شيخنا من أهل العليا بغرب الأندلس ما لقيت في عمري إلا هذين من أهل هذا الذوق و كذلك للعمل الصالح شكر الحق لأنه الغفور الشكور فسعيه مقبول و كلامه مسموع و لو لم يكن في العمل الصالح إلا إلحاق عامله بالصالحين و إطلاق هذا الاسم عليه لكان كافيا فإنه مطلب الأنبياء ع و هم أرفع الطوائف من عباد اللّٰه و الصلاح أرفع صفة لهم فإن اللّٰه أخبرنا عنهم أنهم مع كونهم رسلا و أنبياء سألوا اللّٰه أن يدخلهم اللّٰه برحمته في عباده الصالحين و ذكر في أولي العزم من رسله أنهم من الصالحين في معرض الثناء عليهم فالصلاح يكون أخص وصف للرسل و الأنبياء ع و هم بلا خلاف أرفع الناس منزلة و إن فضل بعضهم بعضا و من نال الصلاح من عباد اللّٰه فقد نال ما دونه فله منازل الرسل و الأنبياء ع و ليس برسول و لا نبي لكن يغبطه الرسول و النبي لما يناله الرسول و النبي من مشقة الرسالة و النبوة لأنها تكليف و بها حصلت لهم المنزلة الزلفى و نالها صاحب العمل الصالح المغبوط من غير ذوق هذه المشقات و من هنا تعرف ما مسمى الرسول و النبي و تعرف معنى
قول الرسول ص في قوم تنصب لهم منابر يوم القيامة في الموقف يخاف الناس و لا يخافون و يحزن الناس و لا يحزنون لاٰ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ ليسوا بأنبياء يغبطهم النبيون حيث رأوا تحصيلهم هذه المنازل مع هذه الحال فهم غير مسئولين من بين الخلائق لم يدخلهم في عملهم خلل من زمان توبتهم فإن دخلهم خلل فليسوا بصالحين فمن شرط الصلاح استصحاب العصمة في الحال و القول و العمل و لا يكون هذا إلا لأهل الشهود الدائم و العارفين بالمواطن و المقامات و الآداب و الحكم فيحكمون نفوسهم فيمشون بها مشى ربهم