الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٧٤ - إن الإنسان مسئول على جوارحه و جميع قواه
وَ لاٰ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ إِلاَّ الْحَقَّ فحاجة الحق في نفسه إلى ظهوره أعظم من حاجة المظهر له إلى إظهاره فإن الحق قد حجر علينا إظهار الحق في مواطن كالغيبة و النميمة و كتم الأسرار و كلها حق ممنوع الظهور في الكون القولي لا في عينه من حيث هو صفة لمن قام به فهو الظاهر الخفي فالإحسان من الحق رؤية و من العبد كأنه و الايمان من الحق و الخلق على حقيقته و كذلك الإسلام عند العارفين به غير أنه لا يقال في الحق إنه مسلم فما كل ما يدري يقال و لا كل ما يشهد يذاع صدور الأحرار قبور الأسرار وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الأحد و الستون و أربعمائة في معرفة منازلة
من أسدلت عليه
حجاب كنفي فهو من ضنائني لا يعرف و لا يعرف»
أن الضنائن عند اللّٰه في ستر
مخدرون فلا تدري و لا تدري
يغار منهم عليهم مثل ما حجبت
بين الليالي صونا ليلة القدر
فلا يراها سوى من لا يقيده
نعت يجرده من عالم الأمر
تبدو لناظره من خلف زافره
من أول الليل حتى مطلع الفجر
[العارفون هم المجهولون في العالم]
قال اللّٰه تعالى حُورٌ مَقْصُورٰاتٌ فِي الْخِيٰامِ و هم العارفون إشارة لا تفسيرا المجهولون في العالم فلا يظهر منهم و لا عليهم ما يعرفون به و هم لا يشهدون في الكون إلا اللّٰه لا يعرفون ما العالم لأنهم لا يشهدونه عالما
فالحق سار و لكن ليس يدريه إلا الذي قال فيه إنه فيه
لكل مليك حرم و حرم و هؤلاء العارفون العلماء به حرمه و حرمه الذي هم فيه العوائد العامة فما سترهم إلا بما هو مشهود للعام و الخاص فالعالم يشهد الحق اعتقادا و عينا و يشهد العالم حسا و هؤلاء يشهدون الحق عينا و يشهدون العالم إيمانا لكون الحق أخبرهم أن ثم عالما فيؤمنون به و لا يرونه كما أن العالم يؤمنون بالله و لا يرونه فهم شهداء حق بحق و هم فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ فيما تحققوا به فإن قيل لهم فقولكم بالشاهد و المشهود فرق فيقولون عند ذلك أ ليس تشهد ذاتك بذاتك فأنت غيرك و كلامهم في هذا كله مع الحق شهودا و مع الايمان بأن ثم عالما أدبا و إيمانا ف هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا و العلماء صدقا و هذا بعض ما وقفنا عليه من منازلات الحق فإنها أكثر من أن يحصرها عد أو يضبطها حد وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و ها نحن بحمد اللّٰه و معونته و الهامة نشرع في الأقطاب و الهجيرات التي كانوا عليها أبتغي بذلك الإعلام بأنه من عمل على ذلك وجد ما وجدوا و شهد ما شهدوا إذ بنيت كتابي هذا بل بناه اللّٰه لا أنا على إفادة الخلق فكله فتح من اللّٰه تعالى و سلكت فيه طريق الاختصار أيضا عن سؤال من العبد ربه في ذلك لأنه لا يقتضي حالنا إلا إبلاغ ما أمر الحق بإبلاغه وَ يَفْعَلُ اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى السفر التاسع و العشرون بانتهاء الباب الأحد و الستين و أربعمائة من هذا الكتاب بسم اللّٰه الرحمن الرحيم «الفصل السادس في هجيرات الأقطاب و مقاماتهم المحمدية»
«الباب الثاني و الستون و أربعمائة في الأقطاب المحمديين و منازلهم»
اليثربي الذي لا نعت يضبطه
و لا مقام و لا حال يعينه
مرخى العنان على الإطلاق نشأته
قامت فلا أحد منا يبينه
من قال إن له نعتا فليس له
علم به عند ما يبدو مكونه
فعلمنا إن علمناه يشير به
و جهلنا هو في علمي يزينه
[إن الإنسان مسئول على جوارحه و جميع قواه]
قال اللّٰه تعالى عن الملائكة و الملإ الأعلى وَ مٰا مِنّٰا إِلاّٰ لَهُ مَقٰامٌ مَعْلُومٌ و قال يٰا أَهْلَ يَثْرِبَ لاٰ مُقٰامَ لَكُمْ فأشبه لَيْسَ كَمِثْلِهِ