الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٤٣٧ - من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه
قال الغشيان نكاح و هو ستر فهو سر فَلَمّٰا تَغَشّٰاهٰا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً غطاها بذاته و سترته بنفسها فكان لها لباسا و كانت له لباسا هُنَّ لِبٰاسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِبٰاسٌ لَهُنَّ فالعالم من انسحب علمه على كل شيء فغشاه فلم يخرج عن علمه شيء من الأمهات فلبسه كل شيء فهو ثوب كل شيء متى يكون ذلك إذا كان قلبه بيت الحق فإذا لبسه الحق بكونه في قلبه و لبسه العبد بكونه جميع قواه و الحق هو الجامع و علمه ليس غير الحق فقد علم كل شيء و إذا علمه فقد غشيه و إذا غشيه فقد لبسه و إذا لبسه انفعل عنه ما ينفعل و يصير ذلك المنفعل أهلا له أيضا يغشاه
[الردة عن الدين شيمة الملحدين]
و من ذلك الردة عن الدين شيمة الملحدين
صاحب الردة لا تحسبه عالما بالأمر فيما قد علم
بل هو الجامع حقا و لذا كل ما يسمع من قول حكم
إنه يصدق فيما قاله و الذي يعقل هذا لا جرم
قال الدين الجزاء فلا يميل عن الجزاء إلى العمل على العبودة و تكون عبادته لذات الحق كما هي عبادته في الآخرة كان عند الناس ملحدا و عند ربه موحدا فإنه سلم من البواعث المعلولة في عبادة ربه فهذا هو الإلحاد المحمود و ما سمي إلحادا إلا لما فيه من الميل عن العمل على الأمر إلا أنه لا بد أن يكون من هذه حالته في عبادته أن يشهد و يسمع أمر الحق بتكوين الأعمال فيه التي شرعت له أن يعملها فيراها تتكون فيه عن أمر اللّٰه على الموافقة لما شرع اللّٰه من الأمر و النهي و يسمع أمر الحق بالتكوين فإن لم تكن هذه صفته فما هو ذلك الرجل الذي بوبنا بنا عليه إن الردة عن الدين شيمة الملحدين فبهذا يعرف نفسه صاحب هذا المقام فلا يأخذه بالقوة
[اقتحم العقبة من أفرد نفسه بالمرتبة]
و من ذلك اقتحم العقبة من أفرد نفسه بالمرتبة
لا تقتحم شدة فالأمر أيسر من ظن تظن فإن الحق يسره
إن الوجود مع الإنسان خيره و بعد تخييره في الأمر حيره
أماته اللّٰه حتفا ثم أقبره و بعد هذا إذا ما شاء أنشره
قال من قال إني إله من دونه فما جهل إلا بقوله من دونه ما جهل بقوله إني إله وحده و لكن بالمجموع فإنه أثبت الغير بقوله من دونه فإن العبد إذا نطق بالحق و كان الحق نطقه فهو القائل إني إله لا العبد فلا يحتاج أن يقول من دونه في نطقه بالحق فإن العبد لا يكون ربا و لا سيما في مثل هذا الذوق فلا رائحة فيه جملة واحدة لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قٰالُوا إِنَّ اللّٰهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ فقولهم ابن مريم و نعتوه بالبنوة و لو قالوا ابن اللّٰه كان ذلك كله خطأ و كانوا كافرين فلو قالوا اللّٰه و المسيح أَيًّا مٰا تَدْعُوا كما قال في الرحمن لم يفردوه بالمرتبة و لا أشركوه إِنَّمَا اللّٰهُ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ
[من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه]
و من ذلك من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه
إن الدعي زنيم حيث ما كانا و هو العزيز به فيه و إن هانا
اللّٰه جمله اللّٰه عدله اللّٰه سواه دون الخلق إنسانا
قد أظهر اللّٰه فيه عز قدرته لو لم يكن لم يكن ذاك الذي كانا
لو كان لي أمل في غير ما خلقت نفسي له لم أكن في الخلق محسانا
قال
جاء في الخبر النبوي من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة اللّٰه أي له البعد و ما له سيد إلا اللّٰه و لذلك
نهى رسول اللّٰه ص أن يقول أحدنا عبدي و أمتي و ليقل غلامي و جاريتي كما
نهى أن نقول لمن له سيادة علينا ربنا فانظر إلى هذه الغيرة الإلهية و ما تعطيه الحقائق و كذلك من ادعى إلى غير أبيه ملعون أي قد بعده عن الأصل الذي تولد عنه إلا أنه لا يقال ابن إلا لبنوة الصلب و إن جازت بنوة التبني و لكن قول اللّٰه أولى في قوله اُدْعُوهُمْ لِآبٰائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّٰهِ و لا نشك أن الغيرة حكمت أن يقال
الولد للفراش ما لم ينفه صاحب الفراش فبنوة التبني بالاصطفاء و المرتبة و لفظة الابن هي المنهي عنها إلا أنه وردت رائحة في التبني في قوله لَوْ أَرٰادَ اللّٰهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاَصْطَفىٰ مِمّٰا يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ سُبْحٰانَهُ بل أداة إضراب هُوَ اللّٰهُ الْوٰاحِدُ الْقَهّٰارُ و هنا في المصطفى إشكال من هو المصطفى فقد يحتمل أن يريد محل الولد ليظهر فيه الولد بالتوجه الإلهي في الصورة البشرية في عين الرائي كجبريل حين تمثل لمريم بَشَراً سَوِيًّا ف قٰالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا و هنا سر أيضا فابحث عليه فقال لها جبريل إِنَّمٰا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ جئتك