الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ١٨٩ - إن لله القرب المفرط من العبد
عرفا و علما و المعية علما و شرعا لا عرفا أراد أن يرى حكمه في الغاية فإن السجود في العرف بعد عما يجب لله من العلو أ لا ترى إلى ابن عطاء حين غاص رجل جمله فقال جل اللّٰه فقال الجمل جل اللّٰه و ما غاص إلا ليطلب ربه فإنه سجود قرية من ذلك العضو إلى اللّٰه فلما رأى الجمل جهل ابن عطاء بالله في طلب الرجل ربه بالغوص قال الجمل جل اللّٰه إن تحصره معرفتك فلا يكون له في عقدك إلا العلو فمن يحفظ السفل و أنا رجل ما أنا رأس فلا بد أن أطلب ربي بحقيقتي و ليس إلا السجود
قال رسول اللّٰه ص لو دليتم بحبل لهبط على اللّٰه و هذا عين ما قال الجمل فمن سجد اقترب من اللّٰه ضرورة فيشهده الساجد في علوه و لهذا شرع للعبد أن يقول في سجوده سبحان ربي الأعلى ينزهه عن تلك الصفة فالسجود إذا تحقق به العبد علم نزول الحق من العرش إلى السماء الدنيا و ذلك سجود القلب يطلب العبد في نزوله كما يطلبه العبد في سجوده و من لم يقف في هذا الذكر على الذي نبهت عليه و أمثاله فما هو صاحب هذا الهجير فاعلم ذلك وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب السادس و الأربعون و خمسمائة في معرفة حال قطب كان هجيره و منزله فَأَعْرِضْ
عَنْ مَنْ تَوَلّٰى عَنْ ذِكْرِنٰا »
ما أجهل المتولي
و لو رآه ابتداء
فمن يذوق عذابا
إذا وليت أمورا
ولاكها فتولى
[إن لله القرب المفرط من العبد]
قال اللّٰه تعالى نُوَلِّهِ مٰا تَوَلّٰى اعلم أيدنا اللّٰه و إياك بِرُوحٍ مِنْهُ أن التولي عن الذكر المضاف إلى اللّٰه ما أطلق اللّٰه الإعراض عنه على الانفراد بل ضم إليه قوله وَ لَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا فبالمجموع أمر الحق تعالى نبيه ص إذا وقع بالإعراض عنه فينتج للعارف هذا الذكر خلاف المفهوم منه في العموم فإن اللّٰه له القرب المفرط من العبد سبحانه و تعالى كما قال وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ و الحياة الدنيا ليس إلا نعيم العبد بربه على غاية القرب الذي يليق بجلاله و لم يكن مراد المذكر بالذكر إلا أن يدعو الغافل عن اللّٰه فإذا جاء الذاكر و دعا بالذكر فسمعه هذا المدعو و كان معتنى به فشاهد المذكور عند الذكر في حياته الدنيا أمر اللّٰه هذا المذكر أن يعرض عن هذا المذكور لئلا يشغله بالذكر عن شهود مذكوره و النعيم به فقال الحق يخاطبه فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّٰى عَنْ ذِكْرِنٰا لأن الذكر لا يكون إلا مع الغيبة وَ لَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا و هي نعيم القرب و هذا من باب الإشارة لمن هو في هذا المقام لا من باب التفسير ثم تمم و قال ذٰلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ذم في التفسير ثناء من باب الإشارة على هذا الشخص و تنبيها على رتبته في العلم بالله فأما ما فيه من الثناء عليه أنه في حال شهوده للحق في مقام القرب فلا يقدر لفنائه على القيام بما يطلبه به الذكر من التكليف فكان المذكر ينفخ في غير ضرم لأنه لا يجد قابلا فأمر بالإعراض عنه لما في ذلك الذكر بهذه الحالة من سوء الأدب في الظاهر مع الذكر فلو كان هذا السامع عنده من القوة أن يشهد الحق في كل شيء لشهده في الذكر فلم يكن الحق يأمر المذكر بالإعراض عنه و لا كان يتولى السامع فهذا بعض رتبته في هذه الآية و ذلك مبلغه من العلم فإذا أنتج لهذا الذاكر هذا الذكر ما ذكرناه فهو صاحبه و إن فقد هذا الذي ذكرناه و أخذه على طريق الذم فليس هو بصاحب هجير فإن الذم في هذا الذكر هو المفهوم الأول فما زال مما هم عليه عامة الناس في الفهم و لا بد أن يكون لصاحب الهجير خصوص وصف يتميز به و هو ما ذكرناه وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب السابع و الأربعون و خمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله فَاصْدَعْ بِمٰا تُؤْمَرُ »
اصدع بربك أو بأمر منه تكن
ممن يكلمه الرحمن تكليما
سلم إليه الذي جاءت أوامره
به من الحكم في الأعيان تسليما
يعطيك نورا يريك العين في عدم
و في وجود و أحكاما و تحكيما