الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٣٧ - العدل هو ميل إلى أحد الجانبين الذي يطلبه الحكم الصحيح التابع للمحكوم عليه
فيما لا تكون استقامته إلا عين الميل فإن الحكم العدل لا يحكم إلا بين اثنين فلا بد أن يميل بالحكم مع صاحب الحق و إذا مال إلى واحد مال عن الآخر ضرورة فليست الاستقامة ما يتوهمه الناس فأغصان الأشجار و إن تداخل بعضها على بعض فهي كلها مستقيمة في عين ذلك العدول و الميل لأنها مشت بحكم المادة على مجراها الطبيعي و كذلك الأسماء الإلهية يدخل بعضها على بعض بالمنع و العطاء و الإعزاز و الإذلال و الإضلال و الهداية فهو المانع المعطي المعز المذل المضل الهادي فمن يهد اللّٰه فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له و كلها نسب حقيقية ما ترى فِيهٰا عِوَجاً وَ لاٰ أَمْتاً
إن الإله بجوده يعطي العبيد إذا افتقر
ما شاءه مما له ما ثم إلا ما ذكر
لما وقفت تحققا منه على سر القدر
و شهدته فرأيته سمع الحبيب مع البصر
فيه بدت أحكامه و له نهي و له أمر
و يقال هذا مؤمن و يقال هذا قد كفر
فلنا الحقائق كلها و لنا التحكم و الأثر
ما الأمر إلا هكذا ما الأمر ما يعطي النظر
الحكم ليس لغيرنا في كل ما تعطي الصور
و الأمر فيه فيصل في الكون من خير و شر
لم تستفد منه سوى أكواننا و كذا ظهر
و انظر بربك لا بعقلك في شئونك و اعتبر
هذا هو الحق الصراح لمن تحقق و ادكر
الحكم حكم ذواتنا لا حكمه فاعدل و سر
عنه إليه بما لنا تعثر على الأمر الخطر
لا تأتلي لا تأتني فإليك منك المستقر
إن الغني صفة له عنا فنستر ما ستر
لو لا افتقار المحدثات إليه ما جاء الخبر
هذا هو الميت الذي يوم القيامة قد نشر
أن هذا هو السر الذي أخفاه اللّٰه عمن شاء من عباده قد ظهر في حكم افتقارنا في غناه فأظهره اللّٰه لمن شاء أيضا فتأمل هذا الغني و هذا الفقر و انظر بنور بصيرتك في هذا الوجود و الفقد و قل لِلّٰهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ
فحضرة العدل ما تنفك في نصب و حضرة الجور في بلوى و في تعب
لو كان ثم مريح كان يحكم لي بالاستراحة في لهوي و في لعبي
أنا جنيت على نفسي فبي حكمت على أسمائه الحسنى مع النسب
فإن لي نسبا فيه الهلاك كما لربنا نسب ينجي من العطب
هو التقى فاتق الرحمن أن له مكرا خفيا بأهل الوعد و النسب
و احذر غوائله في كل مكرمة و اضمم إليك جناحيك من الرهب
يقول رسول اللّٰه ص يقول اللّٰه تبارك و تعالى اليوم يعني يوم القيامة أضع نسبكم و أرفع نسبي أين المتقون قال اللّٰه تعالى مخبرا عباده إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ و يقول اللّٰه تعالى فَلاٰ أَنْسٰابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لاٰ يَتَسٰاءَلُونَ وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ