الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣٨ - حجاب النورية و الظلمية
[الدليلي البرهاني يقضي برفع المناسبة بين العالم و بين هوية الحق]
قال اللّٰه تعالى لاٰ تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ التقدير فإذا ما يقول ربك إنني واحد فاعلم أنه عليك أحال اعلم أن العلم الدليلي البرهاني يقضي برفع المناسبة بين العالم و بين هوية الحق و أن و لا رؤية من راء إلا بمناسبة بينه و بين المرئي فالحق لا يراه غير نفسه من حيث هويته فصاحب هذا العلم في حال شهوده و رؤيته ربه يحكم أنه ما رآه و حكمه صحيح و رؤيته صحيحة فلهذا قال صرفت بصره عني فإذا صرف بصره عنه كان الحق بهويته بصر لهذا العبد فإذا رآه بهذه الحال يكون ممن رأى الحق بالحق و الرائي عبد و المرئي حق و المرئي به حق و هذه أكمل رؤية تكون حيث كانت و قد ورد في الصحيح أن العبد يحصل له هذا المقام في الحياة الدنيا و في هذه النشأة التي تفارقها النفس المطمئنة الناطقة بالموت فقال تعالى لاٰ تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ فكثر و جمع فإنها أبصار الكون و لم يقل لا يدركه البصر و إن كان جمع قلة و لكن على كل حال هو أكثر من بصر قال الشاعر في جمع القلة
بأفعل و بأفعال و أفعلة و فعلة يجمع الأدنى من العدد
فافعل مثل أكلب و أفعال مثل أبصار و أفعلة مثل أكسية و فعله مثل فتية و لما كانت هويته أحدية الوصف لم يكن فيها كثرة و هي بصره في كل مبصر فهو و إن تعددت ذوات المبصرين فالبصر واحد من الجميع إذ كان البصر هوية الحق فيصح إن البصر عند ذلك يدركه لأنه ليس غيره فهو الرائي و المرئي به و المرئي فإن الحقيقة المنفية في هذه الآية في قوله لاٰ تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ إن الأبصار هنا معان يدرك بها المبصرات ما هي تدرك المبصرات بخلاف ما هنا فإنه إذا كان عين الحق عين بصرك فيصح أن يقال في مثل هذا يدركه البصر فينسب الإدراك إليه مع صحة كونه بصرا للعبد فتفطن لهذه المسألة فإنها نافعة جدا
[إن لله عبادا بحسب رتبتهم]
و تعلم من ذلك أن لله عبادا عجل لهم رؤيته في الدنيا قبل الآخرة و لله عبادا أخر لهم ذلك و لله عبادا لا يرونه إلا بأبصارهم في الآخرة و ينزلون عن رتبة هؤلاء في الرؤية و لله عبادا يرونه في الدنيا بأبصار إيمانهم و في الآخرة البرزخية بأعين خيالهم يقظة و نوما و موتا و من هنا قال من قال من أهل اللّٰه أن العلم حجاب يريدون علم النظر الفكري أي العلم الذي استفاده العاقل من نظره في اللّٰه فهذا معنى
قوله صرفت بصره عني فما رآني من رآني إلا بي و من رآني ببصره فما رأى إلا نفسه فإنني بصورته تجليت له فرجال اللّٰه علموا اللّٰه بإعلام اللّٰه تعالى فكان هو علمهم كما كان بصرهم فمثل هؤلاء لو تصور منهم نظر فكري لكان الحق عين فكرهم كما كان عين علمهم و عين بصرهم و سمعهم لكن لا يتصور من يكون مشهده هذا و ذوقه أن يكون له فكر البتة في شيء إنما هو مع ما يوحى إليه على اختلاف ضروب الوحي و إنه من ضروب الوحي الفهم عن اللّٰه ابتداء من غير تفكر فإن أعطى الفهم عن تفكر فما هو ذلك الرجل فإن الفهم عن الفكر يصيب وقتا و يخطئ وقتا و الفهم لا عن فكر وحي صحيح صريح من اللّٰه لعبده و ذوق الأنبياء ع في هذا الوحي يزيد على ذوق الأولياء فإن قابل الأخص في الأعم محصل للأعم و ليس قابل الأعم الذي لا يتعين فيه الأخص يحصل له فيه ذوق الأخص و إن كان مندرجا فيه فلا حكم له في الذوق و إن كان له حكم في الكل إلا أنه لا يقدر على الفصل وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب السادس و العشرون و أربعمائة في معرفة منازلة السر الذي
قال منه رسول اللّٰه ص حين
استفهم عن رؤية ربه فقيل له رأيت ربك في ليلة الإسراء فقال نور إني أراه»
النور كيف يراه الظل و هو به
قد قام في الكون عينا في تجليه
فإن تحلى بنعت النور كان له
حكم التجلي و لكن في تحلئة
الروح ظل و عين الجسم يبديه
من نور ذات يراه في تدليه
و ليس يدري الذي قلناه غير فتى
ذي خلوة فيراه في تخلية
و قد يراه الذي ولى بصورته
عنه فبان له لدى توليه
[حجاب النورية و الظلمية]
قال اللّٰه عز و جل اَللّٰهُ نُورُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ فمن النور من يدرك به و لا يدرك في نفسه فهو حجاب عليك عن نفسه و أنت و العلم حجاب عليك و
قوله ص إن لله سبعين ألف حجاب أو سبعين حجابا الشك مني من نور و ظلمة