الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٥٢٦ - (وصية)
لقلة علمه و دناءة همته فقال وَ إِذْ قُلْتُمْ يٰا مُوسىٰ لَنْ نَصْبِرَ عَلىٰ طَعٰامٍ وٰاحِدٍ يشير إلى أن الصبر مع اللّٰه صعب فَادْعُ لَنٰا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنٰا مِمّٰا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهٰا وَ قِثّٰائِهٰا وَ فُومِهٰا وَ عَدَسِهٰا وَ بَصَلِهٰا فقال لهم أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنىٰ و هو ما ذكروه بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ و هو ما أنزل اللّٰه عليهم من المن و السلوى فأشار إلى دناءة همتهم بقوله اِهْبِطُوا مِصْراً لما نزلوا إلى الأدون من الأعلى قيل لهم اهبطوا مصر فَإِنَّ لَكُمْ مٰا سَأَلْتُمْ إنما هي أعمالكم ترد عليكم وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ لأنهم هبطوا وَ بٰاؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللّٰهِ لأنهم لم يختاروا ما اختار اللّٰه لهم و كفروا بالأنبياء و بآيات اللّٰه و قتلوا الأنبياء بغير الحق و عصوا و اعتدوا و مما ذمهم به القساوة فقال بعد تقرير ما أنعم اللّٰه به عليهم ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجٰارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً و إنما كانت أشد قسوة لأن مِنَ الْحِجٰارَةِ لَمٰا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهٰارُ وَ إِنَّ مِنْهٰا لَمٰا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمٰاءُ وَ إِنَّ مِنْهٰا لَمٰا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّٰهِ و أنتم ما عندكم في قلوبكم من هذا شيء يذمهم بذلك و مما ذم من يقول ما توسوس به نفسه و ما يسول له شيطانه هٰذٰا مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً من الجاه و الرئاسة عليهم و ما يحصلوه من المال فأخبر اللّٰه تعالى أن لهم الويل من اللّٰه من أجل ذلك هذا كله ذكره اللّٰه في كتابه لنا لنجتنب مثل هذه الصفات و مما أوصى به عباده مما يحمده أن لا تعبدوا إِلاَّ اللّٰهَ وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً وَ ذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ قُولُوا لِلنّٰاسِ حُسْناً وَ أَقِيمُوا الصَّلاٰةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ فمن يعمل بوصيته و وصف حاله على جهة الذم يسمعنا تعالى ما جرى من عباده حتى لا نسلك مسلكهم الذي ذمهم اللّٰه به فقال عقيب هذا القول ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاّٰ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَ أَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ... ثُمَّ أَنْتُمْ هٰؤُلاٰءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيٰارِهِمْ تَظٰاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسٰارىٰ تُفٰادُوهُمْ وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرٰاجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتٰابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ كما قال في حقهم و حق أمثالهم إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّٰهِ وَ رُسُلِهِ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّٰهِ وَ رُسُلِهِ وَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً و أخبر أن هؤلاء هُمُ الْكٰافِرُونَ حَقًّا و قال فَمٰا جَزٰاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنْكُمْ إِلاّٰ خِزْيٌ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ يُرَدُّونَ إِلىٰ أَشَدِّ الْعَذٰابِ وَ مَا اللّٰهُ بِغٰافِلٍ عَمّٰا تَعْمَلُونَ فإنه أخبر عن هؤلاء أنهم اَلَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا بِالْآخِرَةِ فَلاٰ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذٰابُ وَ لاٰ هُمْ يُنْصَرُونَ كما اشتروا أولئك اَلضَّلاٰلَةَ بِالْهُدىٰ فَمٰا رَبِحَتْ تِجٰارَتُهُمْ وَ مٰا كٰانُوا مُهْتَدِينَ كما اشتروا أمثالهم اَلْعَذٰابَ بِالْمَغْفِرَةِ فتعجب اللّٰه من صبرهم على النار بقوله فَمٰا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّٰارِ فدل على أنهم عرفوا الحق و جحدوا مع اليقين كما قال في حق من هذه صفته في النمل وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ إنها يعني الآيات براهين على صدقهم فيما أخبروا به عن اللّٰه ظُلْماً وَ عُلُوًّا و أي آية كانت للعرب معجزة مثل القرآن و لذلك قال ذٰلِكَ بِأَنَّ اللّٰهَ نَزَّلَ الْكِتٰابَ بِالْحَقِّ و قال في الذين يكتمون ما أنزل اللّٰه مِنَ الْبَيِّنٰاتِ وَ الْهُدىٰ مِنْ بَعْدِ مٰا بَيَّنّٰاهُ لِلنّٰاسِ فِي الْكِتٰابِ إن أولئك يَلْعَنُهُمُ اللّٰهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللاّٰعِنُونَ و إنه من سئل عن علم تعين عليه الجواب عنه و هو يعلمه فكتمه و هو مما أنزله اللّٰه ألجمه اللّٰه بلجام من نار و إن الذين كتموا مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ مِنَ الْكِتٰابِ و اشتروا به ثمنا قليلا أي بكتمانهم لما حصلوه من المال و الرئاسة بذلك إن أُولٰئِكَ لاٰ خَلاٰقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَ لاٰ يُكَلِّمُهُمُ اللّٰهُ(وَ لاٰ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ)يَوْمَ الْقِيٰامَةِ وَ لاٰ يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ و أوصى عباده أيضا فقال لهم لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ... وَ أَقٰامَ الصَّلاٰةَ وَ آتَى الزَّكٰاةَ وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذٰا عٰاهَدُوا وَ الصّٰابِرِينَ فِي الْبَأْسٰاءِ وَ الضَّرّٰاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ فأخبر أن أُولٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ و أوصى ولي الدم أن يعفو و يخلي بين القاتل و المقتول يوم القيامة و
أخبر ص أن حكم القاتل قوادا حكم القاتل اعتداء و هو قوله وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا فقال في صاحب التسعة أ ما إن قتله كان مثله فتركه و لم يقتله فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبٰاعٌ بِالْمَعْرُوفِ من ولي الدم وَ أَدٰاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسٰانٍ من القاتل إلى ولي الدم فَمَنِ اعْتَدىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ أي إن قتله بعد ذلك غدرا و قد رضي بالدية و بما عفا عنه منها فَلَهُ عَذٰابٌ أَلِيمٌ و ذكر في حق من حضرته الوفاة أن يوصي مما له التصرف فيه من ماله و هو الثلث للاقربين و هم الذين لا حظ لهم في الميراث و للوالدين و هو مذهب ابن عباس حتى أنه يعصي عنده من لم يوص لوالديه عند الموت بالمعروف و هو أنه