الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣٢٥ - المعيد إذا خلق شيئا و فرغ خلقه عاد إلى خلق آخر
لينتفع به من لا يستغني عن قيام الحوادث به و لا يعري عنها فوجود كل واحد منهما موقوف على صاحبه من وجه لا يدخله الدور فيستحيل الوقوع القوي المتين هو ذُو الْقُوَّةِ لما في بعض الممكنات أو فيها مطلقا من العزة و هي عدم القبول للاضداد فكان من القوة خلق عالم الخيال ليظهر فيه الجمع بين الأضداد لأن الحس و العقل يمتنع عندهما الجمع بين الضدين و الخيال لا يمتنع عنده ذلك فما ظهر سلطان القوي و لا قوته إلا في خلق القوة المتخيلة و عالم الخيال فإنه أقرب في الدلالة على الحق فإن الحق هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظّٰاهِرُ وَ الْبٰاطِنُ قيل لأبي سعيد الخراز بم عرفت اللّٰه قال بجمعه بين الضدين ثم تلا هذه الآية و إن لم تكن من عين واحدة و إلا فما فيها فائدة فإن النسب لا تنكر فإن الشخص الواحد قد تكثر نسبه فيكون أبا و ابنا و عما و خالا و أمثال ذلك و هو هو لا غيره فما حاز الصورة على الحقيقة إلا الخيال و هذا ما لا يسع أحدا إنكاره فإنه يجده في نفسه و يبصره في منامه فيرى ما هو محال الوجود موجودا فتنبه لقوله إِنَّ اللّٰهَ هُوَ الرَّزّٰاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ الولي هو الناصر من نصره فنصرته مجازاة و من آمن به فقد نصره فالمؤمن يأخذ نصر اللّٰه من طريق الوجوب فإنه قال وَ كٰانَ حَقًّا عَلَيْنٰا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ مثل وجوب الرحمة عليه سوء قال تعالى كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لمن عمل سُوءاً بِجَهٰالَةٍ ثُمَّ تٰابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ و أين هذا من اتساعها فنصرة اللّٰه تشبه رحمة الوجوب و تفارق رحمة الامتنان الواسعة فإنه ما رأينا فيما أخبرنا به تعالى نصرة مطلقة و إنما رأيناها مقيدة إما بالإيمان و إما بقوله إِنْ تَنْصُرُوا اللّٰهَ يَنْصُرْكُمْ و هنا سر من أسرار اللّٰه تعالى في ظهور المشركين على المؤمنين في أوقات فتدبره تعثر عليه إن شاء اللّٰه فما ورد حتى نؤمن به إلا أن الايمان إذا قوى في صاحبه بما كان فله النصر على الأضعف و الميزان يخرج ذلك و قولي هذا ما كان لقوله وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْبٰاطِلِ فسماهم مؤمنين و لكن تحقق في إيمانهم بالباطل إنهم ما آمنوا به من كونه باطلا و إنما آمنوا به من كونهم اعتقدوا فيه ما اعتقد أهل الحق في الحق فمن هنا نسب الايمان إليهم و بما هو في نفس الأمر على غير ما اعتقدوه سماه الحق لنا باطلا لا من حيث ما توهموه الحميد بما هو حامد بلسان كل حامد و بنفسه و بما هو محمود بكل ما هو مثنى عليه و على نفسه فإن عواقب الثناء عليه تعود المحصي كل شيء عددا من حروف و أعيان وجودية إذ كان التناهي لا يدخل إلا في الموجودات فيأخذه الإحصاء فهذه الشيئية شيئية الوجود و في قوله وَ أَحْصىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً المبدئ هو الذي ابتدأ الخلق بالإيجاد في الرتبة الثانية و كل ما ظهر من العالم و يظهر فهو فيها و ما ثم رتبة ثالثة فهي الآخر و الأولى للحق فهو الأول فالخلق من حيث وجوده لا يكون في الأول أبدا و إنما له الآخر و الحق معه في الآخر فإنه مع العالم أَيْنَ مٰا كٰانُوا و قد تسمى بالآخر
[المعيد إذا خلق شيئا و فرغ خلقه عاد إلى خلق آخر]
فاعلم المعيد عين الفعل من حيث ما هو خالق و فاعل و جاعل و عامل فهو إذا خلق شيئا و فرغ خلقه عاد إلى خلق آخر لأنه ليس في العالم شيء يتكرر و إنما هي أمثال تحدث و هي الخلق الجديد و أعيان توجد المحيي بالوجود كل عين ثابتة لها حكم قبول الإيجاد فأوجدها الحق في وجوده المميت في الزمان الثاني فما زاد من زمان وجودها فمفارقتها و انتقالها لحال الوجود الذي كان لها موت و قد يرجع إلى حكمها من الثبوت الذي كان لها فمن المحال وجودها بعد ذلك حتى تفرغ و هي لا تفرغ لعدم التناهي فيها فافهم و في تقييدي هذا الباب في هذه المسألة سمعت منشدا ينشد من زاوية البيت لا أرى له شخصا لكني أسمع الصوت و لا أدري لمن يخاطب بذلك الكلام و هو
أوص فإنك رائح لمنزل أنت رابح
فيه لأنك ممن له قبول النصائح
قد صاح في جانب الدار للمنية صائح
و قد دعاك إليه فلا تجب بالنوائح
و قد أتاك رسول منه بخير المنائح
لقاء ربك فيها و فيه كل المصالح
فهو بالنسبة إلى رؤية اللّٰه قريب و قد يكون بالنسبة إلينا بعيد مثل قوله في المعارج إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَ نَرٰاهُ قَرِيباً الحي لنفسه لتحقيق ما نسب إليه مما لا يتصف به إلا من من شرطه أن يكون حيا القيوم لقيامه على كل نفس بما كسبت الواجد بالجيم لما طلب فلحق فلا يفوته هارب كما لا يلحقه في الحقيقة طالب معرفته الواحد