الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٨٣ - إن الأهواء مختلفة
«المتين حضرة المتانة»
إن قلت قولا صحيحا
أنا القوي المتين
أو كان غير صحيح
أنا الضعيف المهين
و أيضا
إن المتانة حال ليس يدريها إلا الذي هام وجدا في معانيها
و قوة اللّٰه أبدتها لناظرنا و حكمها أبدا فيمن يعانيها
إذا أشد بها ركني تكون لنا أولى و إن كان عيني فهو ثانيها
إن المطالع قد لاحت أهلتها للناظرين إليها في مبانيها
[المتين هو الذي لا يتزلزل عما يجب له الثبوت فيه]
يدعى صاحبها عبد المتين قال تعالى إِنَّ اللّٰهَ هُوَ الرَّزّٰاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ فرفع على الصفة لقوله ذو و هو و المتين هو الذي لا يتزلزل عما يجب له الثبوت فيه لتمكنه و ثقله فنبه على العين أنها بهذه الصفة من المتانة لئلا يتخيل متخيل أو يقول قائل إن الصور لما تبدلت في التجلي و اختلفت و الأسماء الإلهية لما كثرت و تنوعت و دل كل اسم على معنى لا يكون لغيره و أعطت كل صورة أمرا لم تعطه الصورة الأخرى إن العين و المسمى تبدل لهذا التبدل فأخبر أنه من المتانة بحيث أن الأمر على ما قرر و شوهد من التحول و التبدل و العين ثابتة في مكانتها لا نقبل التغيير و أعظم ما يظهر حكم هذا في العقائد في اللّٰه لأن الإله الذي اعتقد بالدليل النظري إذا جاءت الشبهة لصاحب هذا الاعتقاد النظري إزالته فلو كانت المتانة من صفات الإله الذي جعله المعتقد في نفسه ما أثرت فيه الشبهة الواردة فأخلت المحل عنه و عاد يبحث على إله آخر يجعله فيه فليست المتانة إلا للاله القوي الحق الذي يجد في نفسه هذا الطالب الاستناد إليه و لا يدري ما هو و لمتانته لا يقوى الناظر أن ينقله إلى محل اعتقاده فمتانته حجابه فلا يعرف و الحق الذي وسعه قلب العبد هو الذي يقبل آثار الشبه فيه فقد علمت لما ذا تسمى بالمتين و هو علم غريب فبالمتانة كان الاستناد فاستند إليه كل ممكن يطلب الترجيح و العلم بهذا المستند عين نفي العلم به على علم بأنه لا يعلم لا بد من ذلك كما قال الصديق العجز عن درك الإدراك إدراك و هذا أعلى ما يوصل إليه في العلم بالله المتين فإن للمتانة درجات فقصدنا أتمها و أعلاها وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«النصير حضرة النصر»
حضرة النصر حضرة
للذي قد بغي عليه
فهو لله وحده
ما له غير ما لديه
و أيضا
إن الولي الذي إذا تولاه عبد تولاه رب حين ولاة
إن الولي اسم مفعول يكون له من لفظه فاعل إذا تولاه
لولاه ما ثبتت فينا قواعده و لا رست رغبة لولاه لولاه
أملي على الذي يتلوه من سور على مسامع كوني حين أملاه
بالقلب سطره ربي لنحفظه به بلاني إلهي حين أبلاه
[إن الأهواء مختلفة]
يدعى صاحبها عبد الولي و الولي الناصر و إن شئت قلت عبد الناصر قال تعالى اَللّٰهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ و هو نور العيان و هو عين اليقين و أقام تعالى عذرا لما نبه بقوله في تمام الآية وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيٰاؤُهُمُ الطّٰاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ و ما أفرد الطاغوت لأن الأهواء مختلفة و أفرد نفسه لأنه واحد يخرجونهم من النور إلى الظلمات فنصر هؤلاء الأولياء لهم حيث لا يتركونهم يدخلون الجنة لما لهم فيها من الضرر لأنهم على مزاج يتضرر بالاعتدال كما تضر رياح الورد بالجعل فهم ينصرون أصحابهم و ليس إلا أهل النار الذين هم أهلها أخبر ص فقال إِنَّ وَلِيِّيَ اللّٰهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتٰابَ لأن فيه اَللّٰهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا و هو من المؤمنين وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصّٰالِحِينَ و لهذا القطع كان الصلاح مطلوبا لكل نبي مكمل و شهد اللّٰه به لمن شاء من عباده على التعيين تشريفا له بذلك كعيسى يحيى ع و أما قوله تعالى وَ كٰانَ حَقًّا عَلَيْنٰا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ و ليس المؤمن إلا من لم يدخل إيمانه بأمر ما خلل يقدح في إيمانه و المؤمنون في كلام اللّٰه نوعان و هم الكافرون فنوع آمن بالله و كفر بالطاغوت و هو الباطل فهم أهل الجنة المعبر عنهم بالسعداء و النوع الآخر آمن بالباطل و كفر بالله و هو الحق فهم أهل النار المعبر عنهم بالأشقياء فقال عز و جل في حق السعداء فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّٰاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللّٰهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقىٰ و هؤلاء هم الذين حق على اللّٰه نصرهم