الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣٧٨ - من شهد وجد
لتعين الشكر و لو تعين الشكر لزال المكر فلا بذل فلا فضل فمن شكر مكر لذا قرن اللّٰه الزيادة بالشكر لما فيها من المكر فناط به الزيادة و خاطب بذلك عباده فقال لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذٰابِي لَشَدِيدٌ و ما قال لأنقصنكم فاشكر للمزيد في حق الحق و العبيد فإذا شكر الحق زاد العبد في عمله و إذا شكر العبد زاده الحق فوق أمله بقول اللّٰه يخاطب عباده لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنىٰ وَ زِيٰادَةٌ و هي جزاء الشكر فلا تأمن المكر
[الغرام اصطلام]
و من ذلك الغرام اصطلام من الباب ٢٣٩ نار المحبة لا تخمد و دمعها لا تنفد و قلقه لا يبعد و حرقه لا يبعد في التراب ينام و إن كان صاحب اصطلام فإن الغرام رغام الذلة بالمحب صاحب الغرام منوطة و المسكنة به مشروطه و نفسه أبدا مقبوضة غير مبسوطة و عقده براحات الأماني أنشوطه يسرع إليها الانحلال و هي و إن كانت مقيمة في زوال فهي كالظل إذا فاء و كالقاصر المشية إذا شاء الاصطلام نار لها اضطرام تشعلها الأهواء إلا أنه تطفئها بتواليها الأنواء فتلحقها بالرغام فلذلك حكمنا بالاصطلام على المنعوت بين المحبين بالغرام
[الراغب طالب]
و من ذلك الراغب طالب من الباب ٢٤٠ كم بين الرغبة عنه و الرغبة فيه عبد مصطفى و عبد لا يصطفيه عناية أزلية بسعادة أبدية و خذلان سبق و كل ذلك حق أحق ما قال العبد و كلنا لك عبد فجمع بين المطرود و المجتبى و من أطاع و من أبى في عبودية القصاص لا في عبودة الاختصاص عبد يصلح اللّٰه بينه و بين خصمه فيسعده و عبد يأمر به إلى النار بعدله و حكمه فيبعده مع القول بعدم الاستحقاق و مفارقة الوفاق و كلاهما عاصيان و ما هما سيان يا ليت شعري لم كان ذلك عاص ناج و عاص هالك عبدان لمالك واحد و ما ثم أمر زائد إن كان لعمارة الدار فلما ذا يخرج بالشفاعة و لا يبقى مع الجماعة ما ذاك إلا لما قيل في بعض الأشعار ماء و نار ما التقيا إلا لأمر كبار و من ذلك
قول العلام لا رهبانية في الإسلام من الباب الأحد و الأربعين و مائتين الراهب يترك بحكم الحق و ما انقطع إليه و لم يكفره بل سلم له ما هو عليه ما ذاك إلا لانفراده و انتزاحه عن عباده فأنبأنا هذا الدليل الواضح أن التكليف شرع للمصالح فلو دخل مع الجماعة في العمل لا لحقه في الحكم ممن أسر و قتل فلا تتعرضوا لأصحاب الصوامع فإن نفوسهم سوامع تَرىٰ أَعْيُنَهُمْ عند السمع تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ما لهم علم بما هم عليه الناس من الالتباس تجنبوا الحيف و تدرعوا بالخوف و تركوا نجدا و استوطنوا الخيف لمعرفتهم ضعفهم و عدم قوتهم فاختاروا السهل من الأرض و قالوا هذا هو الفرض فإن الحق أمر في الدين بالرفق فمن رفق بنفسه فقد وفاها ما عين الحق لها و ما جار عليها و ما خذلها فمن رهب سلم و ما عطب
[التوصل توسل]
و من ذلك التوصل توسل من الباب ٢٤٢ الفضيلة عند من ابتغى إلى اللّٰه الوسيلة في التعمل و إن لم يعمل تحصيل ما لديه مع كونه ما وصل إليه ما تحصل نتيجة العمل لمن لم يعمل إلا لمن اجتهد و لم يكسل و أما مع الكسل فما وصل و لا توصل ابذل المجهود و ما عليك أن لا تتصف بالوجود أنت الواجد و إن لم تعرف عند الذائق المنصف لما لم يعمل جهل الميزان فجهل ما وجده لعدم معرفة الأوزان و ما علم ما حصل له بذل المجهود من الوجود فهو علم ذوق لا يؤكل إلا من فوق و لو أكل من تحت رجله لوزنه من العمل بمثله فعلم قدره و عرف أمره فالتعمل من إقامة الكتب و به تحصل الرتب
[الوجد فقد]
و من ذلك الوجد فقد من الباب ٢٤٣ الوجد فجأة فتح الباب فإن كان عن تواجد فهو حجاب من لم يجد لم يجد لا بل من لم يجد لم يجد دليل الكرم البذل و برهان العدل إعطاء الفضل و هو الأتم عند أصحاب الهمم فما أعطى اللّٰه إلا الفضل الذي قال فيه وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ و لهذه الآثار استحال عليه الإيثار فعطاء اللّٰه كله فضل و هو أعلى البذل من آثر على نفسه فهو الخاسر و إن نجا فإنه ترك الأولى عند ما وقع إليه الالتجاء لو كان مؤمنا لعلم أنه قد باع نفسه من اللّٰه و المبيوع لمن اشتراه و حق اللّٰه أحق من حق الخلق لكن الدعوى أوقعته في هذه البلوى فسمي مؤثرا و ميز مؤثرا و الجار أحق بصقبه و الصدقة مضاعفة في رحمه و نسبه
[من شهد وجد]
و من ذلك من شهد وجد من الباب ٢٤٤ ما حصل على الوجود إلا من زهد في الموجود من رأى للكون عينا مستقلة فهو صاحب علة و ليس بصاحب نحلة ما قال بالعلل إلا القائل بأن العالم لم يزل فإني للعالم بالقدم و ما له في الوجوب النفسي الوجودي قدم إنما له الرتبة الثانية و هي الباقية الفانية