الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣٨١ - من أعطى الثبات أمن البيات
أهل الاكتساب بل هي مختصة بالأحباب
[من شرب طرب]
و من ذلك من شرب طرب من الباب ٢٥٦ لا يطرب الشارب إلا إذا شرب خمرا و إذا شرب خمرا فقد جاء شيئا إمرا لأنه يخامر العقول فيحول بينها و بين الأفكار فيجعل العواقب في الأخبار فيبدي الأسرار برفع الأستار فحرمت في الدنيا لعظم شأنها و قوة سلطانها و هي لذة للشاربين حيث كانت و لهذا عزت و ما هانت في الدنيا محرمة و في الآخرة مكرمة هي ألذ أنهار الجنان و لها مقام الإحسان عطاؤها أجزل العطاء و لهذا يقول من أصابه حكمها و ما أخطأ
فإذا سكرت فإنني رب الخورنق و السرير
و هو صادق و إذا فارقه حكمها و عفا عنه رسمها يقول أيضا و يصدق و قال الحق
و إذا صحوت فإنني رب الشويهة و البعير
و هذا المقام أعلى لأنه رب الحيوان فتفطن لهذا الميزان
[من ارتوى غوى]
و من ذلك من ارتوى غوى من الباب ٢٥٧ من ارتوى غوى و من غوى هوى أ لا تراه أهبط و في يديه سقط فاستدرك الغلط حين هبط فتلقى من ربه ما تلقاه من الكلمات فتاب ففاز بحسن المآب لأنه ما يقصد انتهاك الحرمة و لا الخروج من النور إلى الظلمة مخالفة العارف تحفه و لو ساقت إليه حتفه فصاحب التحف من الآمنين في الغرف فإن من شرف العلم أن يعطي العالم كل مرتبة ما لها من الحكم و من علم السر أن لا يقطع العالم به على ربه عز و جل بأمر فإن قطع و حكم فقد جهل و ظلم و مع أنه ما عصى إلا بعلمه و لا خولف إلا بحكمه لا يقول ذلك العاصي و إن اعتقده و كان ممن اطلع عليه و شهده و كذلك حكم من أطاعه إلى قيام الساعة فالعلماء هم الحكام و الحكماء لا يتعدون بالسلعة قيمتها و لا بكل نشأة شيمتها لو لا ذلك الارتواء ما كانت الأنبياء و لا فرق في الأحكام بين الأعداء و الأولياء و لا عرفت المراتب و لا شرعت المذاهب و لا كانت التكاليف و لا حكمت التصاريف و لا كان أجل مسمى و لا تميز البصير من الأعمى
[من لم يرتو من مائه لم يكن من أنبيائه]
و من ذلك من لم يرتو من مائه لم يكن من أنبيائه من الباب ٢٥٨ من شرب من الماء حيي حياة العلماء و من شرب اللبن تميز في رجال اليمن و من شرب العسل المصفى كان في وحيه ممن وفى و من شرب الخمر لم يكتم الأمر الخمر للسماح و اللبن للافصاح و الماء لحياة الأرواح و العسل علم أصحاب الجناح فهو العلم الصراح قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنٰاسٍ مَشْرَبَهُمْ و حققوا مذهبهم جٰاعِلِ الْمَلاٰئِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنىٰ وَ ثُلاٰثَ وَ رُبٰاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مٰا يَشٰاءُ و واضع في المعارج سبلا فلها النقص و المشاء لو شرب الخمر لضلت الأمة و غوت بإظهار ما عليه حوت و الدنيا دار حجاب فلا بد من غلق الباب و لا بد من الحجاب و هم الرسل أولو الألباب فبعثة الرسل لتعيين السبل و إقامة الخلفاء في الأرض من القرض ليشوقوا النفوس المحجوبة بما وصفوه و ما شرعوه من الأمور المطلوبة
[من محى رسمه زال اسمه]
و من ذلك من محى رسمه زال اسمه من الباب ٢٥٩ صنعت الترياقات لرفع ضرر السموم و سكنت إلا هو البقاء السموم و عينت الأحكام لبقاء الرسوم فهي عصمة للأرواح إلى أن توفي تدبير هذه الأشباح فإذا فرغ قبولها و حصل لها من رسولها سؤلها و انقضى زمان التدبير و انكسر وعاء الإكسير و وقع الاشتياق إلى لقاء الغياب و مشاهدة الأحباب جاء الموت بما فيه من تلافيه فأخلي البلد و فرق بين الروح و الجسد و رد كل شيء إلى أصله و جمع بينه و بين أقاربه و أهله فالحق الجسم مع أترابه بترابه و عرج بالروح المشبه في الإضاءة بيوح فألحقه بالروح المضاف إليه و نزل به عليه و تلك حضرة قدسه و مجلس أنسه فقبله و قبله و بادر إليه عند قدومه و استقبله فالسعيد أعطاه أمله و الشقي تركه و خذله
[من أعطى الثبات أمن البيات]
و من ذلك من أعطى الثبات أمن البيات من الباب ٢٦٠ من لم يخف البيات أصبح في الأموات يا أيها الأصفياء لاٰ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيٰاءَ لا تلقوا إليهم بالمودة و أعطوا لكل ذي عهد منهم عهده أثبت على دينك و احذر منهم أن يؤثروا في يقينك من دان بالصليب لحق بأهل القليب لا تشرك بالله أحدا و اتخذ التوحيد سندا ما للحريد فديد لعدم السامع من الوجود كيف له بالصوت و قد اتصف بالموت ينسب إلى الميت الكلام كنسبته إلى النيام يقول و يقال له و ما يسمع اليقظان إلى جنبه زجله