الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٢٨ - الرفعة لله تعالى بالذات و للعبد بالعرض
و جبروته و من العبد على ذله و افتقاره فوجدناه حكم الدرجات بما تقتضيه و الدرجة أيضا هي التي جعلت هذا الأمر و النهي في حق اللّٰه يسمى أمر أو نهيا و في حق العبد يسمى دعاء و رغبة فأقام الحق نفسه بصورة ما أقام فيه عباده بعضهم مع بعض و قوله رَفِيعُ الدَّرَجٰاتِ إنما ذلك على خلقه ثم أنزل نفسه معهم في القيام بمصالحهم و بما كسبوا قال تعالى أَ فَمَنْ هُوَ قٰائِمٌ عَلىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمٰا كَسَبَتْ كما قال تعالى اَلرِّجٰالُ قَوّٰامُونَ عَلَى النِّسٰاءِ بِمٰا فَضَّلَ اللّٰهُ بَعْضَهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ لأنهن عائلته و
قد ورد عن رسول اللّٰه ص أن الخلق عيال اللّٰه فيقوم بهم لأن الخلق إلى اللّٰه يميلون و لهذا كانوا عائلة له فلما أنزل نفسه في هذه المنزلة فضلا منه و حقيقة فإنه لا يكون الأمر إلا هكذا نبه أنه منا و فينا كنحن منا و فينا
إنه منا و فينا مثلنا منا و فينا
و بنا عرفت ربي هكذا جاء يقينا
قال اللّٰه تعالى وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ و علل بقوله لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا و من سألته فقد اتخذته موضعا لسؤالك فيما سألته فيه و قد أخبر عن نفسه بالإجابة فيما سأله لمن سأله على الشرط الذي قرره كما نجيبه نحن فيما سألنا أيضا على الشرط الذي تقضي به مراتبنا ثم إنه عز و جل لما كان عين أسمائه في مرتبة كون الاسم هو عين المسمى و من يقول في صفات الحق إنها لا هي هو و لا هي غيره و قد علمنا رفعة الدرجات في الأسماء بَعْضُهٰا فَوْقَ بَعْضٍ كانت ما كانت ليتخذ بعضهم بعضا بحسب مرتبته فنعلم إن درجة الحي أعظم الدرجات في الأسماء لأنه الشرط المصحح لوجود الأسماء و إن العلم من العالم أعم تعلقا و أعظم إحاطة من القادر و المريد لأن لمثل هؤلاء خصوص تعلق من متعلقات العالم فهم للعالم كالسدنة و لما كان العلم يتبع المعلوم علمنا إن العالم تحت تسخير المعلوم يتقلب بتقليبه و لا يظهر له عين في التعلق به إلا ما يعطيه المعلوم فرتبة المعلوم إذا حققتها علمت علو درجتها على سائر الدرجات أعني المعلومات و من المعلومات للحق نفس الحق و عينه و ما يجب له و يستحيل عليه و ما يجب لكل معلوم سوى الحق و ما يستحيل على ذلك المعلوم و ما يجوز عليه فلا يقوم فيه الحق إلا بما يعطيه المعلوم من ذاته و كذلك درجة السميع و البصير و الشكور و سائر الأسماء في التعلق الخاص و الرءوف و الرحيم و سائر الأسماء كلها تنزل عن الاسم العليم في الدرجة إلا المحيط فإنه ينزل عن العليم بدرجة واحدة فإنه لا يحيط إلا بمسمى الشيء و المحال معلوم و ليس بشيء إلا في وجود الخيال فهنالك له شيئية اقتضتها تلك الحضرة فهو محيط بالمحال إذا تخيله الوهم شيئا كَسَرٰابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مٰاءً حَتّٰى إِذٰا جٰاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً و لكن في المرتبة الخارجة عن الخيال لا إحاطة له بالمحال مع كون المحال معلوما للعالم غير موصوف بالإحاطة و كذلك الحي لما كانت له درجة الشرطية كان له السببية في ظهور أعيان الأسماء الإلهية و آثارها و كذلك كل علة لا بد أن يكون لها حكم الحياة و حينئذ يكون عنها الأثر الوجودي و لا يشعر بذلك كل أحد من نظار العلماء من أولي الباب إلا أرباب الكشف الذين يعاينون سريان الحياة في جميع الموجودات كلها جوهرها و عرضها و يرون قيام المعنى بالمعنى حتى يقال فيه سواد مشرق و سواد كدر و من لا علم له يجعل الإشراق للمحل لا للسواد و ما عنده خبر فكذلك قيام الحياة بجميع الأعراض قيامها بأعيان الجواهر فما من شيء من عرض و جوهر و حامل و محمول إلا و هو يسبح بحمد اللّٰه و لا يسبح اللّٰه إلا حي عالم بمن يسبح و بما يسبح فيفصل بعلمه بين من ينبغي له التسبيح و بين من ينبغي له التشبيه في العين الواحدة من وجوه مختلفة و هو سبحانه يثني على نفسه و يسبح نفسه بنفسه كما قال فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ و قال وَ أَقْرِضُوا اللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً و كل ذلك في معرض الثناء على نفسه لِمَنْ كٰانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ و من لم يعرف اللّٰه تعالى و العالم بمثل هذه المعرفة فما عنده علم بالله و لا بالعالم و لو لا ما هو الأمر كما قررناه ما
قال رسول اللّٰه ص من عرف نفسه عرف ربه و أتى بالعامل الذي يتعدى إلى مفعول واحد و لم يقل علم و ذلك ليرفع الإشكال في الأحدية فقد بان لك يا وليي بما فصلناه و أومأنا إليه ما تقتضيه هذه الحضرة حضرة الرفع و التي قبلها حضرة الميزان الذي به يخفض اللّٰه و يرفع و لما كانت للحق الدرجة العليا قال إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصّٰالِحُ يَرْفَعُهُ فإن الكلمة إذا خرجت تجسدت في صورة ما هي عليه من طيب و خبيث فالخبيث يبقى فيما تجسد فيه ما له