الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٤٢ - العبد إذا كان مسلوب الأوصاف
ما يمكن من الإبانة عن هذا المقام وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب التاسع و العشرون و أربعمائة في معرفة منازلة
من تصاغر لجلالى
نزلت إليه و من تعاظم علي تعاظمت عليه »
يعامل الحق بما يعامل
فاحذر فما أنت له مقابل
و كن له عينا و لا تكن به
فإنه ليس له مماثل
من حارب اللّٰه يرى صرعته
بعينه فالبطل المنازل
هو الذي يرمي السلاح و الذي
له من اللّٰه به المنازل
قد قال طيفور بأن بطشه
أشد و القول بذاك نازل
فكونه فينا وجود ثابت
و كوننا فيه وجود حاصل
[العبد إذا كان مسلوب الأوصاف]
قال اللّٰه تعالى وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ لأنه قال وَ مٰا أَرْسَلْنٰاكَ إِلاّٰ رَحْمَةً لِلْعٰالَمِينَ و ما خص مؤمنا من غير مؤمن فإذا كان العبد على مقامه الذي هو عينه مسلوب الأوصاف و لم يظهر منه تلبس بصفة محمودة و لا مذمومة فهو على أصله و أصله الصغار و يريد الحق ظهور الصفات فيه فلا بد أن ينزل إليه من هويته التي تقتضي له الغني عن العالم فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ و
النبي ص يقول يوم بدر لربه تعالى إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد بعد اليوم فلو قال مثل هذه المقالة غير رسول اللّٰه ص لقال المنكر ما شاء مما يليق به من حيث إنكاره لجهله و مثل هذه النفحات تهب على قلوب العارفين من أهل اللّٰه فإن نطقوا بها كفرهم المؤمن و جهلهم صاحب الدليل
فالحمد لله الذي قد وهب و الحمد لله الذي قد عصم
فلم يقل ما شأنه قوله و هو الذي قال به من عصم
فيحجب اللّٰه به من حرم و يشهد اللّٰه به من رحم
ورد في الخبر أنه من تواضع لله رفعه اللّٰه و هو عين نزول الحق إليه
و من تكبر على اللّٰه وضعه اللّٰه و ما وضعه إلا بشهود عظمته فإنه تعالى العلي العظيم و لما
قال ص إنما هي أعمالكم ترد عليكم علمنا إنا ما نرى من الحق إلا ما نحن عليه
فمن شاء فليعمل و من شاء لا يعمل و هذه كلمة نبوية حق كلها فإن العمل ما يعود إلا على عامله و قد أضاف الأعمال إلينا فمن علم منا من هو العامل منا علم من يعود إليه العمل في الرد و هذا القدر من الإشارة في هذا الحديث كاف و لما كان اللّٰه هو الكبير المتكبر علمنا نسبة الكبر إليه و تحير من تحير في نسبة التكبر إليه فلو علم نزول الحق لعباده إذ ليس في قوة الممكن نيل ما يستحقه الحق من الغني عن العالم و في قوة الحق مع غناه من باب الفضل و الكرم النزول لعباده ما هو لعين عباده و إنما ذلك لظهور أحكام أسمائه الحسنى في أعيان الممكنات فما علم أنه لنفسه نزل لا لخلقه كما قال تعالى وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ فما خلقهما إلا من أجله و الخلق نزول من مقام ما يستحقه من الغناء عن العالمين فالمتخيل من العباد خلاف هذا و أنه تعالى ما نزل إلا لما هو المخلوق عليه من علو القدر و المنزلة فهذا أجهل الجاهلين فأعطى الحق هذا النزول أو ما توهمه الجاهل أن يتسمى الحق بالمتكبر عن هذا النزول و لكن بعد هذا النزول لا قبله وجودا و تقديرا لا بد من ذلك فالكبير ليس كذلك و سيرد تحقيق هذا الفصل في آخر الكتاب في الباب الثامن و الخمسين و خمسمائة إن شاء اللّٰه تعالى فهذه المنازلة تعطيك أن الحق مرآة العالم فلا يرون فيها غير ما هي صورهم عليه و هم في صورهم على درجات فهذا حصر لباب هذه المنازلة وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الثلاثون و أربعمائة في معرفة منازلة
أن حيرتك أوصلتك إلى »
كل من حار وصل
و الذي اهتدى انفصل
و هو نعت ثابت
للذي عز و جل
و هو نعت حاصل
لعبيد قد عقل
فإذا قال فتى
إنه اهتدى غفل