الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ١٤١ - إن اللّٰه وصف نفسه بالتعجب و الضحك و أشباه هذه الصفات الخلقية
يَسْمَعَ كَلاٰمَ اللّٰهِ و ما سمع إلا صوت المؤدي و هو الرسول و نحن نعلم أن كلام العالم كله ليس إلا كلامه فإن العالم كله إنسان كبير كامل فحكمه حكم الإنسان و هوية الحق باطن الإنسان و قواه التي كان بها عبدا فهوية الحق قوى العالم التي كان بها إنسانا كبيرا عبدا مسبحا ربه تعالى
ألا كل قول في الوجود كلامه سواء علينا نثره و نظامه
يعم به إسماع كل مكون فمنه إليه بدؤه و ختامه
و لا سامع غير الذي كان قائلا فمندرج في الجهر منه اكتتامه
فتستره ألفاظنا بحروفها فما فيه من ضوء فذاك ظلامه
فما ظنكم بالنور منه إذا بدا و قد ملأ الجو الفسيح غمامه
لأنه القائل أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّٰهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمٰامِ و لما كان الأمر على ما ذكرناه في نفسه طلب منا أن نخلص العبادة له لأن بالعبادة نكون عبيدا و ما نكون عبيدا إلا بهويته فنخلص العبودية و تخليصها أن نقول له أنت هو بأنانيتك و أنت هو في أنانيتي فما ثم إلا أنت فأنت المسمى ربا و عبدا إن لم يكن الأمر كذا فما أخلصنا له عبادة فما طلب الإخلاص فيها إلا من المجموع و لا يصح لها وجود و لا نسبة إلا بالمجموع لأنه بالانفراد غني عن العالمين و بالمجموع قال أَقْرِضُوا اللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً فقيده بالإحسان و فسر لنا ما هو الإحسان و ما فسره إلا بشهود المحدود المنصوب في القبلة فمعرفة اللّٰه بلسان الشارع المترجم عن اللّٰه غير معرفته بالنظر العقلي فللمعرفة بالله طريقان و أعني العلم بالله منا و إن شئت قلت ثلاث طرق الطريق الواحد علمنا به تعالى من حيث نظرنا الفكري و علمنا به من حيث خطابه الشرعي و علمنا به من حيث المجموع و أنا نعلم أنا لا نعلمه كما يعلم نفسه فهذا حصر المعرفة الحادثة بالله تعالى
فالحق عين العبد ليس سواه و الحق غير العبد لست تراه
فانظر إليه به على مجموعه لا تفردنه فتستبيح حماه
هذا هو الحق الصريح فأخلصوا لله منك عبادة تلقاه
أي تلقاه تلك العبادة و إن شئت قلت لله منه عبادة تلقاه فإنك ما أخذتها إلا به فمنه تخلصها له و أنت محل الظهور فالصورة لك و العين هويته كما قررنا في غير موضع أن الصور المعبر عنها بالعالم إحكام أعيان الممكنات في وجود الحق و لهذا يقال إن العالم ما استفاد الوجود إلا من الحق و هو الحدوث و هذا القدر كاف في تخليص العبادة لله فيكون الحق العابد من وجه المعبود من وجه بنسبتين مختلفتين وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الرابع و خمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله قُلِ اللّٰهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ إلى هنا كان هجير
شيخنا أبي مدين رحمه اللّٰه و زاد بعضهم قوله تعالى فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ »
إلى اللّٰه من كوننا المهرب
و إياه في رفعه أرغب
ذر الكل في خوضه يلعب
فليس لنا غيره مذهب
فإنك إن جئته تقرب
و فيه الورى كله يرغب
و لما رأيت الذي يعجب
من اللّٰه فزت بما أطلب
[إن اللّٰه وصف نفسه بالتعجب و الضحك و أشباه هذه الصفات الخلقية]
اعلم أيدنا اللّٰه و إياك بِرُوحٍ مِنْهُ أن هذا الباب قريب من الذي قبله فإن اللّٰه وصف نفسه بالتعجب و الضحك و الفرح و التبشيش و أشباه هذه الصفات الخلقية و وصف نفسه ب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ يعني فيها وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ رَمىٰ فخلصنا له منه أمرنا الحق أن نقول اللّٰه ثم نذرهم أي نترك ضميرهم و هو ضميرهم ضمير الجمع لا هو الذي هو ضمير الإفراد فإنا للفرد نخلص العبادة من الجمع فإن الجمع أظهر القسمة بين اللّٰه و بين عبده في العبادة و هي لله لا للمكلف من حيث صورته و إن كانت له من حيث جمعيته بالله فهنا رسخت قدم الشيخ أبي مدين رضي اللّٰه عنه و لم يتعد و غيره يتمم الآية فقال فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ فوقف أبو مدين رضي اللّٰه عنه مع قوله وَ إِذٰا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيٰاتِنٰا و كل ما في العالم آياته فإنها