الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٦١ - إن يوم الدين يوم الجزاء
فليس ليلى و ليس لبني
سوى الذي أنت قد علمتا
إن كنت في حبه بصيرا
تشهده منك أنت أنتا
فما أحب المحب غيرا
سواه فالكل أنت أنتا
فما أعجب القرآن في مناسبة الأسماء بالأحوال ف هُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعّٰالٌ لِمٰا يُرِيدُ فهو المحب و هو فعال لما يريد فهو المحبوب لأن المحبوب فعال لما يريد بمحبوبه و المحب سامع مطيع مهيأ لما يريد به محبوبه لأنه المحب الودود أي الثابت على لوازم المحبة و شروطها و العين واحدة فإن الودود هنا هو الفعال لما يريد فانظر في هذا التنبيه الإلهي ما أعجبه وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«المجد حضرة المجد»
يدعى صاحبها عبد المجيد و القرآن المجيد و هو كلامه تعالى فهو عينه
حضرة المجد و الشرف حضرة الزهو و الصلف
فذوو مجدنا فمن بحرها الكل يغترف
فإذا ما تمجدت عينه قام ينصرف
لقصور له بها خادم العز قد وقف
فتحلى بحلية وهبته حكم النصف
و هبته نصيفها و به قام فالتحف
نحن للجوهر المكون في عيننا صدف
إذا قال المصلي ملك يوم الدين يقول الحق مجدني عبدي أي جعل لي الشرف عليه كما هو الأمر في نفسه فانظر إلى هذا الاعتراف و هو الحق الذي له المجد بالأصالة و الكلام كلامه بلا خلاف فإنه القرآن و
قال عن نفسه إنه يقول عند مٰالِكِ يَوْمِ الدِّينِ مجدني عبدي و هو تنبيه إلهي من اللّٰه على إن الأمر إضافي فإنه إذا لم يكن هناك من يشرف عليه كونا ثابتا أو عينا كائنة فعلى من يشرف و يتمجد فما أعطاه المجد إلا وجود العبد فما قال الحق في قوله مجدني عبدي إلا حقا
فلو زلنا لزال المجد عنه فتمجيدي له المجد التليد
تولد عن وجود القول مني كذا قال الإله لي المجيد
و قلناه بعلم و اعتقاد فجاء لشكرنا منه المزيد
فكان هو المراد بعين قولي كما قد كان في الأصل المريد
له حكم التحكم في وجودي هو الفعال فينا ما يريد
و ليس يريد إلا كل ما لا وجود له فحقق ما أريد
فليس يريد عيني حال كوني فكون الكائنات هو الوجود
فقد شهدت إرادته عليه بأن مراده أبدا فقيد
[إن يوم الدين يوم الجزاء]
فلما قال مجدني عبدي عند قول المصلي ملك يوم الدين علمنا أنه قال أعطاني عبدي المجد و الشرف على العالم في الدنيا و الآخرة لأني جازيت العالم على أعمالهم في الدنيا و الآخرة فيوم الدين هو يوم الجزاء فإن الحدود ما شرعت في الشرائع الأجزاء و ما أصابت المصائب من أصابته الأجزاء بما كسبت يده مع كونه يعفو عن كثير قال تعالى وَ مٰا أَصٰابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ و كذلك ما ظهر من الفتن و الخراب و الحروب و الطاعون فهو كله جزاء بأعمال عملوها استحقوا بذلك ما ظهر من الفساد في البر من خسف و غير ذلك و قحط و وباء و قتل و أسر و كذلك في البحر مثل هذا مع غرق و تجرع غصص لزعزع ريح متلفة قال تعالى ظَهَرَ الْفَسٰادُ و هو ما ذكرناه و من جنس ما قررناه فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِي النّٰاسِ أي بما عملوا لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي