الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٧٧ - «الباعث حضرة البعث»
فما في الكون إلا الشفع فانظر
فإن الرب بالمربون كانا
فمن فهم الذي قد قلت فيه
أهان شريكه و الشرك هانا
لهذا الحق بعد الأخذ فيه
يورثه برحمته جنانا
بدار النار لم يخرجه منها
و أعطاه بها النعمى امتنانا
فكن فردا و كن وترا تكنه
و لا تك واحدا فيه عيانا
تحز بالوتر إن فكرت فيه
و بالفرد المكانة و المكانا
و لا تنظر إلى الأحد المعلى
فما في الكون من عين سوانا
إذا قال الإله لكل شيء
يريد وجوده إن كن فكانا
و ما كان الذي قد كان منه
سواه فمن رآه فقد رآنا
«الرفيق حضرة الرفق و المرافقة»
إن الرفيق هو الذي يسترفق
و هو الإمام العالم المتحقق
فإذا نطقت عن الإله مترجما
ألقى على الأسماء ما يتحقق
إذا كان الرفيق هو الرفيق
فلا تجنح إلى غير الرفيق
تفز بالسبق و التحقيق فيه
يبينه له معنى الطريق
لقد دقت إشارات المعاني
إلى قلبي بمعناها الدقيق
و جلت أن تنال بكل فكر
لأن مجيئها لمع البروق
و قلت لصاحبي مهلا فإني
سأشهد حالها عند الشروق
[إن الإنسان خلق في محل الحاجة]
يدعى صاحبها عبد الرفيق و هو أخو الصاحب في الدلالة و لما خبر ص عند الموت ما قال و لا سمع منه إلا الرفيق الأعلى فإنه تعالى كان مرافقه في الدنيا و علم منه تعالى أنه يريد بطلوع الفجر الرجوع إلى عرشه من السماء الدنيا التي نزل إليها في ليل نشأته الطبيعية فلم يرد ص مفارقة رفيقه فانتقل لانتقاله و رحل لرحلته و لذلك قال ص الرفيق و لم يقل غير ذلك لأن الإنسان خلق في محل الحاجة و العجز فهو يطلب من يرتفق به فلما وجد الحق نعم الرفيق و علم إن الارتفاق به على الحقيقة هو الارتفاق الموجود في العالم و إن أضيف إلى غيره فلجهل الذي أضافه فطلب الرفيق الذي بيده جميع الإرفاق فلم يطلب أثرا بعد عين و هكذا حال كل من أحب لقاء اللّٰه إذا لم تكن له درجة مشاهدة الرفيق و هو في قوله تعالى وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ فهو رفيقنا تعالى في كل وجهة نكون فيها غير إنا حجبنا فسمي انفصالنا عن هذا الوجود الحسي بالموت لقاء اللّٰه و ما هو لقاء و إنما هو شهود الرفيق الذي أخذ اللّٰه بأبصارنا عنه فقال من أحب لقاء اللّٰه أحب اللّٰه لقاءه
فنلقاه بالكرامة و البشر و بالرضى
و بأهل و مرحب ضاق عن وسعه الفضاء
فلم يعرفه المحجوب رفيقا حتى لقيه فإذا لقيه عرفه و هو قوله وَ بَدٰا لَهُمْ مِنَ اللّٰهِ مٰا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ فاستحيوا منه المؤمنون لما عاملوه به من المخالفة لأوامره تعالى و خاف منه المجرمون فلقوه على كره فكره اللّٰه لقائهم و مع هذه الكراهة فلا بد من اللقاء للجزاء كان الجزاء ما كان و لما كان الأنس و الرحمة و أخواتهما في الرفيق و المرافقة لذلك اختصت البنوية باسم الرفيق فتقول فلان رفيق فلان لأنه يغضب لرفيقه و ينصره و لا يخذله و ينصر الحق و لا يخذله فإنه من شرط البنوة أنه لا يكذب فيعتضد بالنبوي الحق في إظهار الصدق و ليس ذلك لغير هذه الطائفة و إذا لم يكن على مكارم هذه الأخلاق خلع عنه قميص البنوة و هو قميص نقي سابغ فمن دنسه أو قلصه عاد ذلك عليه و خلع عنه قميصها فلا يلبسه إلا أهلها
«الباعث حضرة البعث»
حضرة البعث حضرة الإرسال
فلها الصدق و هو من أحوالي