الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٤٤٤ - (الباب الموفي ستين و خمسمائة في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك
ما اكتسبه من العلم بالله و تحلت به نفسه من نظره العقلي فيكون التجلي تابعا لهذا الاستعداد الخاص و فيه يقع التفاضل
[دين الأنبياء واحد]
و من ذلك دين الأنبياء واحد ما ثم أمر زائد و إن اختلقت الشرائع فثم أمر جامع
الدين عند الأنبياء وحيد و مقامه بين الأنام شديد
فإذا الرجال تفطنوا لرحيله عنهم و قام لهم بذاك شهيد
جاءوا إليه مهطعين لعله يوما بقصدهم إليه يعود
قال هو إقامة الدين و أن لا يتفرق فيه ما خلق اللّٰه حلالا أبغض إليه من الطلاق و هو بيد من أخذ بالساق فلما ذا يقصد إلى البغيض مع هذا التعريض نكاح عقد و عرس شهدوا بتنا ببكر صهيا في لجة عمياء نفوس زوجت بأبدانها و لم يكن ناكحها غير أعيانها ثم إنه مع التكدر و الانتقاص لاٰتَ حِينَ مَنٰاصٍ ثم مع هذا يدعو و يجاب إِنَّ هٰذٰا لَشَيْءٌ عُجٰابٌ و أعجب من ذلك جبال سيرت فَكٰانَتْ سَرٰاباً و سماء فتحت فَكٰانَتْ أَبْوٰاباً ذات حبك و بروج و أرواح لها فيها نزول و عروج و مٰا لَهٰا مِنْ فُرُوجٍ فأين الولوج و أين الخروج و أين النزول و أين العروج هذا موضع الاعتبار فَاعْتَبِرُوا يٰا أُولِي الْأَبْصٰارِ و اللّٰه إن أمرا نحن فيه لمريج و أن زوجا زوجنا به لبهيج سقف مرفوع و مهاد موضوع و وتد مفروق و وتد مجموع ظلمة و نور و بيت معمور و بحر مسجور و مياه تغور و مراجل تفور فار التنور و اتضحت الأمور نجوم مشرقة و رجوم محرقة شهب ثواقب و شهب ذات ذوائب كلما نجمت ذهبت يا ليت شعري ما الذي أنارها و ما الذي أوجب شرارها و أخواتها ثوابت لا تزول في طلوع و أفول ليل عسعس فظهرت كواكبه و صباح تنفس فضحه راكبة جوار خنس في مجاريها و ظبا كنس لتحفظ ما فيها ليل و نهار أنجاد و أغوارا بدار و سرار يا أهل الأفكار أقسم نجيكم قسما لا لغو فيه و لا ثنيا إن الذي جاء بهذا كله لصادق يؤمن به لا بل يعلمه الظالم لنفسه و المقتصد و السابق شخص من الجنس أيد بروح القدس قيل له بلغ فبلغ و ذكر فأبلغ و قذف بالحق على الباطل فدمغ فزهق الباطل و تحلى العاطل نشأة الآخرة رده في الحافرة كيف يكون التجسد مع التقيد إن كان في نفس الأمر انقلاب العين فقد جهل الكون و إن كان في النظر فهو من مغالط البصر فإذا انبهم الأمر و أشكل فما لك إلا أن تتوكل فأسلم وجهك إلى اللّٰه و أنت محسن تكن ممن اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقىٰ فإنه خير لك و أبقى و كن مع الرعيل الذي خوطب بقوله وَ اللّٰهُ خَيْرٌ وَ أَبْقىٰ تكن السعيد الذي لا يشقى فإن نزلت عن هذه الدرجة فأنزل إلى الآخرة خير و أبقى فإنهم و إن كانوا سعداء فإنه لا يستوي المؤمنون الميتون على فرشهم و الشهداء فلكل علم رجال و لكل مقام حال و لكل بيت أهل و مع كل صعب سهل و هذا القدر كاف في هذا الباب لمن علم فطاب و أوتي الحكمة و فصل الخطاب انتهى الباب بانتهاء المجلدة الخامسة و الثلاثين من هذا الكتاب و الحمد لله و صلى اللّٰه على محمد رسوله بخط يد منشئ هذا الكتاب بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
(الباب الموفي ستين و خمسمائة في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك
و الواصل و من وقف عليها إن شاء اللّٰه تعالى)
وصى الإله و أوصت رسله فلذا
كان التأسي بهم من أفضل العمل
لو لا الوصية كان الخلق في عمه
و بالوصية دار الملك في الدول
فاعمل عليها و لا تهمل طريقتها
إن الوصية حكم اللّٰه في الأزل
ذكرت قوما بما أوصى الإله به
و ليس إحداث أمر في الوصية لي
فلم يكن غير ما قالوه أو شرعوا
من السلوك بهم في أقوم السبل