الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٦٥ - الأرواح النورية و النارية و الترابية
المقامات المذكورة في الطريق فإن نفوسهم تقبل التغيير و التحويل من حال إلى حال و من مقام إلى مقام و لكن ذلك كله لله لما سمعوا دعاءه إياهم من هذه الأمور كلها فدخلوا عليه بها ذوقا و حالا لا علما و لا اعتقادا فإن سائر المؤمنين و العلماء علماء الرسوم يعلمون هذه الأمور كلها و لكن لا قدم لهم فيها فهؤلاء إذا تجلى لهم الحق لم يثبتوا لظهوره لأن المحدث إذا ظهر له القديم يمحو أثره إذ لا طاقة للمحدث على رؤية القديم و لهذا جاء الخبر الصحيح الإلهي بأن الحق قد يكون بصر العبد و سمعه حتى يثبت لظهور الحق في التجلي أو في الكلام أ لا ترى إلى موسى ع لما كان الحق سمعه ثبت لكلام اللّٰه فكلمه فلما وقع التجلي و لم يكن الحق عند ذلك بصر موسى كما كان سمعه صعق و لم يثبت فلو كان بصره لثبت و أما العبيد الآخرون فهم له به فيثبتون في كل موطن مهول من حادث و قديم للقوة الإلهية السارية في ذواتهم فلا يبقى حال و لا مقام إلا و يظهرون به و فيه بطريق التحكم به و التصرف فيه فهم يملكون الأحوال و المقامات و لا يملكهم شيء إلا ما قررناه من ذلك الأمر الذي يملك الحق إذا كان الحق ملك الملك فبذلك القدر يكونون في ذواتهم فبه تعالى يسمعون و يبصرون و يأكلون و يشربون و ينامون و يقومون و له يسمعون و يبصرون و يأكلون و يشربون و ينامون و يقومون و
هو قول رسول اللّٰه ص في بعض خطبه في الثناء على اللّٰه فإنما نحن به و له فإذا اجتمع عبدان الواحد له بنفسه و الآخر له به أنكر من هو له بنفسه على من هو له به و لم ينكر من هو له به على من هو له بنفسه لأنه عبد محض خالص و الآخر حق محض خالص و الصورة الظاهرة منهما صورة خلق و الباطنة ممن هو لله بنفسه صورة خلق و الصورة الباطنة من الآخر صورة حق فهذا يتصرف بحق في حق لحق و الآخر يتصرف بخلق في خلق لحق و منهم من يتصرف في حق لحق بخلق أعني من الذين هم بأنفسهم فخرق العوائد لمن كان لله بنفسه و المنزلة لمن كان لله بالله فهؤلاء أصحاب كرامات و هؤلاء أهل منازل و أصحاب الكرامات معلومون عند اللّٰه معلومون عند الخلق و أهل المنازل معلومون عند اللّٰه و عند أبناء الجنس مجهولون عند الخلق إلا أن أهل خرق العوائد يبطن في حالهم المكر الإلهي و الاستدراج و أهل المنازل مخلصون من المكر لأنهم على بصيرة و بينة من ربهم فهم أهل وصول إلى عين الحقيقة جعلنا اللّٰه و إياكم من عبيد الاختصاص آمين بعزته وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الحادي و الخمسون و أربعمائة في معرفة منازلة
في المخارج معرفة المعارج »
لو لا وجود الكون في المعارج
ما لاح عين الحرف بالمخارج
أخرجه ضرب مثال للذي
قد ارتقى في رتب المعارج
فالنفس الدارج في طريقه
يبين عن منازل المدارج
قال اللّٰه تعالى تَعْرُجُ الْمَلاٰئِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ و قال تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ و قال تعالى رَفِيعُ الدَّرَجٰاتِ ذُو الْعَرْشِ
[إن كلمات اللّٰه التي لا تنفد]
اعلم أن الممكنات هي كلمات اللّٰه التي لا تنفدوا بها يظهر سلطانها الذي لا يبعد و هي مركبات لأنها أتت للافادة فصدرت عن تركيب يعبر عنه في اللسان العربي بلفظة كُنْ فلا يتكون عنه إلا مركب من روح و صورة ثم تلتحم الصور بعضها ببعض لما بينهما من المناسبات فتحدث المعاني فينا بحدوث تأليفها الوضعي و ما وقع فيها الوضع في الصور المخصوصة إلا لذاتها لا بحكم الإنفاق و لا بحكم الاختيار لأنها بأعيانها أعطت العلم الذي لا يتحول و القول الذي لا يتبدل و المشيئة الماضية فهي في الشهادة بحسب ما هي عليه في الغيب فهي في الغيب بصورة كل ما تتقلب إليه في الظاهر مما لا نهاية له في الغيب من التقليب و هو في الظاهر يبدو مع الآيات إذ لا يصح دخول ما لا يتناهى في الوجود لأن ما لا يتناهى لا ينقضي فلا يقف عند حد و المادة التي ظهرت فيها كلمات اللّٰه التي هي العالم هي نفس الرحمن و لهذا عبر عنه بالكلمات و قيل في عيسى ع إنه كلمة اللّٰه
[الأرواح النورية و النارية و الترابية]
ثم اعلم أن اللّٰه تعالى لما أظهر من كلماته ما أظهر قدر لهم من المراتب ما قدر فمنهم الأرواح النورية و النارية و الترابية و هم على مراتب مختلفة و كلهم أوقفهم مع نفوسهم و أشهدهم إياها و احتجب لهم فيها ثم طلب منهم أن يطلبوه و نصب لهم معارج يعرجون عليها في طلبها إياه فدخل لهم بهذه المعارج في حكم الحد و جعل لهم قلوبا يعقلون بها و لبعضهم فكرا