الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٤١٠ - العدم ما هو ثم فافهم
تقرأ فدرجات الجنة على هذا على عدد آي القرآن و قال وَ اللّٰهُ خَلَقَكُمْ وَ مٰا تَعْمَلُونَ فهو العامل فإلى أين تصعد العمال و قال العارف من عمل في غير معمل فهو يبذل المجهود و هو عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ إن اللّٰه هو العامل لما هو العبد له عامل و لو لا ذلك ما كان التكليف فلا بد من نسبة في العمل للعبد فالنسبة إلى الخلق و العمل للحق فهو تشريف العبد أعني إضافة العمل إليه سواء شعر بذلك العبد أو لم يشعر
[استفهام العالم العالم]
و من ذلك استفهام العالم العالم من الباب ٤١٢ قال إنما استفهم العالم ليتميز به من في قلبه ريب ممن ليس في قلبه ريب فيعلم العالم من غير العالم لإقامة الحجة و قال ما اختبر اللّٰه العالم إلا ليعلم ما هو به عالم قال تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا هذا ذاك من وجه فهذا مؤمن كلف إن يؤمن بما هو به مؤمن و قال عَفَا اللّٰهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ استفهام لا إنكار مقام رسول اللّٰه ص يعطي ما ذهبنا إليه و قال ما أثنى على من أثنى عليه إلا لجهله بالمراتب و علمه أيضا بها و لكن ما يعلم ما له منها إلا بتعريف من اللّٰه و قال من الاستفهام ما يكون إيهاما و هو استفهام العالم عما هو به عالم و قال من استفهمك فقد شهد لك بالعلم بما استفهمك عنه و قال قد يقع الاستفهام من العالم لإقامة الحجة في الجواب فيقول له أ أنت قلت و من هنا أيضا كانت الحجة البالغة لله على عبده
[الذكرى بشرى]
و من ذلك الذكرى بشرى من الباب ٤١٣ قال الذكرى بشرى المذكرة بالوراثة و هي في حق المعتنى به بشرى بالقبول و في حق غير المعتنى به بشرى بالحرمان أهل العناية يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوٰانٍ و أهل الحرمان فَبَشِّرْهُمْ بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ لأن كل واحد أثر في بشرته ما بشر به قال تعالى وَ إِذٰا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا و قال البشرى للبشر فإنه ما يكلم إلا من وراء حجاب وَ مٰا كٰانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّٰهُ إِلاّٰ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ و قال ما عرف مقدار البشر إلا من عرف معنى مٰا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمٰا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ و قال من خلق برفع الوسائط مع المباشرة فلم يكن ذلك إلا في البرزخ و أما في الطرفين فلا فإن الطرف الحسي يحيله العقل و الطرف العقلي لا يشهده الحس و قال البشرى مختصة بالمؤمن و هو يبشر الكافر و الكافر لا حظ له في البشرى الإلهية برفع الوسائط
[من غار أغار]
و من ذلك من غار أغار من الباب ٤١٤ قال من غيرة اللّٰه حرم الفواحش فجعلها له حراما محرما فتخيل من لا علم له أن ذلك إهانة و هو تعظيم إذ هو من شعائر اللّٰه و حرماته و اللّٰه يقول وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُمٰاتِ اللّٰهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ و مَنْ يُعَظِّمْ شَعٰائِرَ اللّٰهِ فَإِنَّهٰا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ و قال
قول النبي ص سعد الغيور و أنا أغير من سعد و اللّٰه أغير مني و من غيرته حرم الفواحش فجعل الفواحش حراما محرما كما حرم مكة و غيرها و قال
حرم رسول اللّٰه ص التفكر في ذات اللّٰه و قال تعالى وَ يُحَذِّرُكُمُ اللّٰهُ نَفْسَهُ فالتحريم دليل على التعظيم و قال ما أمرك اللّٰه إلا بما هو خير لك و هو عند اللّٰه عظيم و ما نهاك إلا عما هو تركه خير لك لعظيم حرمته عنده مال الناس في الآخرة إلى رفع التحجير وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولىٰ وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ يعني هناك فَتَرْضىٰ
[أهون العقاب ضرب الرقاب]
و من ذلك أهون العقاب ضرب الرقاب من الباب ٤١٥ قال المقصود من ضرب الرقاب إزالة الحياة الدنيا فبأي شيء زالت فهو ذاك و قال المقصود من ضرب الرقاب ظهور الحياة التي أخذ اللّٰه بأبصارنا عنها فبأي شيء حصل فهو ذاك و إن كانت الحياة الدنيا ما ذهبت و ليس يعرف ذلك إلا أهل الكشف و الوجود فإن الميت له خوار و قال لا يصح ضرب الرقاب حتى تملك فمن ضربها بغير ملك استقيد منه و ملكت رقبته فيه يملكها ولي الدم فقد عتق في الدنيا و هو رقيق في الأخرى و قال أنت حر فلا ترد نفسك مملوكا لمثلك و حق النفس أعظم عليك من حق مثلك
[العدم ما هو ثم فافهم]
و من ذلك العدم ما هو ثم فافهم من الباب ٤١٦ قال ما ثم إلا اللّٰه و الممكنات فالله موجود و الممكنات ثابتة فما ثم عدم و قال لو لا إن الأعيان مشهودة للحق ما كان وجود ما وجد منها بأولى من عدمه و وجود غيره و ما شهد إلا ما هو ثم و قال ليس شيء أدخل في حكم النفي من المحال و مع هذا فثم حضرة تقرره و تصوره و تشكله و ما يقبل التصوير و التشكيل إلا ما هو ثم فالمحال ثم و قال العدم المطلق ما لا تعقل فيه صورة و ما هو ثم فإنه ما ثم إلا ثلاثة واجب و محال و ممكن و وجوب و إحالة و إمكان و كل ذلك معقول و كل معقول مقيد و كل مقيد مميز و كل مميز مفصول عمن عنه تميز فما ثم معدوم لا يتميز فما ثم عدم و قال الأحوال عند المتكلمين لا موجودة و لا معدومة