الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢١٥ - محل تجلى ظهور القهر و القهارية
منهما لا لذاتها فالسعيد من النفوس المكلفة على نوعين في السعادة النوع الواحد مستور عن قيام المعصية به و غير المرغب فيه و لا لا طاعة و لا لا معصية و لا مرغبا و لا غير مرغب فيه فهو أسعد السعداء و النوع الآخر هو المستور بعد حكم المعصية فيه عن العقوبة على ذلك و هو المغفور له و هذه الأحكام تتعلق من المكلف في ظاهره و باطنه فالسعيد التام الكامل المعصوم و دونه المحفوظ ظاهرا غير المحفوظ باطنا فأقل مستور من اسمه عبد الغافر و أكثر مستور من اسمه عبد الغفور و المتوسط بينهما عبد الغفار فالناس أعني المكلفين على ثلاثة أحوال غافر و غفار و غفور ثم إن للمكلفين بعضهم مع بعض حكم هذه الأسماء فيمن جنى عليهم أو من حموه عن وقوع الجناية منهم و لهم أحكام أسماء اللّٰه فمتى تجاوز عمن جنى عليه تجاوز اللّٰه عنه و من أنظر معسرا جنى ثمرة ذلك في الآخرة من عند اللّٰه فما يرى المكلف في الآخرة إلا أعماله تم إن اللّٰه يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
[أن من الستور ما هو معلول بالبشرية]
و اعلم أن من الستور و إرخائها ما هو معلول بالبشرية و هو قوله وَ مٰا كٰانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّٰهُ إِلاّٰ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ و هو الستر أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً و هو ستر أيضا و ليس الستر هنا سوى عين الصورة التي يتجلى فيها للعبد عند إسماعه كلام الحق في أي صوره تجلى فإن اللّٰه يقول لنبيه ص فَأَجِرْهُ حَتّٰى يَسْمَعَ كَلاٰمَ اللّٰهِ و المتكلم رسول اللّٰه ص و إن اللّٰه قال على لسان عبده سمع اللّٰه لمن حمده و
قوله تعالى كنت سمعه و بصره الحديث فهذه كلها صور حجابية أعطتها البشرية و ما ثم إلا بشر و روح هذه المسألة ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي فنفى الوسائط عن خلق آدم و من هنا إلى ما دون ذلك حكم اسم البشر فحيث ارتفعت الوسائط ظهر حكم البشرية لمن عقل إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فهذا حصر الستور و إرخاؤها على البدور و المكسوفات ستور فمنها ظلالية و منها أعيان ذوات مثل كسوف القمر و الشمس و سائر الكواكب الخمسة و أعظمها ستر الشمس فإنها تطمس أنوار الكواكب كلها فلا يبقى نور إلا نورها في عين الرائي و إن كانت أنوار الكواكب مندرجة فيها و لكن لا ظهور لها كما قال النابغة الجعدي في ممدحه
أ لم تر أن اللّٰه أعطاك صورة ترى كل ملك دونها يتذبذب
بأنك شمس و الملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
و نعلم بالقطع أن الكواكب بادية و طالعة في أعيانها و مجاريها غير إن إدراك الرائي يقصر عنها لقوة نور الشمس نور على نور البصر فيبهره
قيل لرسول اللّٰه ص أ رأيت ربك فقال نوراني أراه فكيف أن يرى به فهو حجاب عليه و لم يكن ذلك إلا لضعف الإدراك فإنه تعالى قد يتجلى فيما دون النور فيرى كما ورد أينما شاء و هو القائل لَنْ تَرٰانِي فرؤيته لا رؤيته فهو المستور المرئي من غير ظهور و لا إحاطة فالستر لا بد منه و هذا القدر كاف من الإيماء فإن ميدان الغفران واسع لأنه الغيب و الشهادة وَ اللّٰهُ مِنْ وَرٰائِهِمْ مُحِيطٌ فأسبل الستر بالوراء على أعين السامعين فوقفوا مع ما سمعوا
فأسبل الستر بالوراء إسباله الستر بالمراء
بلا نزاع و لا خصام و لا جدال و لا مراء
فكل مجلى له حجاب يحجبه عند كل راء
من عن يمين و عن شمال و عن أمام و عن وراء
يعرفه كل من رآه من مخلص كان أو مراء
«حضرة القهر»
إذا كان قهري عين أمري فإنني
إذا ما أمرت الأمر كان لي القهر
عليه فيبدو للوجود بصورتي
فما نهينا نهي و لا أمرنا أمر
[محل تجلى ظهور القهر و القهارية]
يدعى صاحبها عبد القهار و عبد القاهر فأكبر العلماء من لا يكون له هذا الاسم أعني عبد القهار و لا عبد القاهر و هو العارف المكمل المعتنى به بل هو المعصوم و ما تجلى لي الحق بحمد اللّٰه من نفسي في هذا الاسم و إنما رأيته من