الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ١٣٦ - من كان جزاؤه جهنم فهو في غاية البعد عن السعادة
ظاهر الإنسان و الظاهر الحق عين باطن الإنسان فهو كالمرآة المعهودة إذا رفعت يمينك عند النظر فيها إلى صورتك رفعت صورتك يسارها فيمينك شمالها و شمالك يمينها فظاهرك أيها المخلوق على صورة اسمه الباطن و باطنك اسم الظاهر له و لهذا ينكر في التجلي يوم القيامة و يعرف و يوصف بالتحول في ذلك فأنت مقلوبة فأنت قلبه و هو قلبك هُنَّ لِبٰاسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِبٰاسٌ لَهُنَّ ما أحق هذه الآية في الباطن بهذا المقام
فكما يلبسنا نلبسه فبنا كان كما نحن به
فانتفى ما هو موجود بنا و به أكرم به من مشبه
و أكثر من هذا البسط في العبارة ما يكون فإن هذا الميدان يضيق الجولان فيه جدا و اللّٰه ولي الإعانة إذ هو المعين وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الموفي خمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلٰهٌ مِنْ دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ
جَهَنَّمَ أي نرده إلى أصله و هو البعد يقال بئر جهنام إذا كانت بعيدة القعر»
من يقل إني إله
فهما سيان فيه
فله الجمع المسمى
مثل ما له التفرق
[من كان جزاؤه جهنم فهو في غاية البعد عن السعادة]
قال اللّٰه عز و جل إِنَّ جَهَنَّمَ كٰانَتْ مِرْصٰاداً لِلطّٰاغِينَ مَآباً إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصٰادِ فحقق و انظر تعثر و اللّٰه الموفق فحصلوا في نقيض دعواهم فإن الطاغي المرتفع طغى الماء إذا ارتفع يقول اللّٰه تعالى إِنّٰا لَمّٰا طَغَى الْمٰاءُ حَمَلْنٰاكُمْ فِي الْجٰارِيَةِ فمن قال إني إله فقد جعل نفسه في غاية القرب فأخبر اللّٰه أن جزاء هذا القائل يكون غاية البعد عن سعادته إذ كان جزاؤه جهنم فينزل إلى قعرها من طغى إلى الألوهة التي لها الاستواء على العرش بالاسم الرحمن و اعلم أنه ما في علمي إن أحدا يقع منه هذا القول و هو يجوع و يمرض و يغوط و أمثال هذا إلا فرعون لما فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ قال يٰا أَيُّهَا الْمَلَأُ مٰا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلٰهٍ غَيْرِي ثم جعل ذلك ظنا بعد شك أو إثباتا في قوله فَأَطَّلِعَ إِلىٰ إِلٰهِ مُوسىٰ وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كٰاذِباً و أما القائلون بأن اللّٰه هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ فما هم في حكم هذا الذكر لأمرين الأمر الواحد إنهم فرقوا بين الناسوت و اللاهوت و القائل بهذا الذكر لا يفرق و الأمر الثاني إنما يدل هذا الذكر على من قال عن نفسه ذلك لا من قيل عنه و الذي ينتج هذا الذكر لصاحبه أحد أمرين أو كلاهما الأمر الواحد أحدية هذا القائل في الألوهة فيكون العالم كله عند صاحب هذا الذكر عين الحق فله أحدية الكثرة كما لغيره أحدية كثرة الأسماء الإلهية و تكون الكثرة في النسب و الأحكام لا في العين و العالم كله عنده عرض عرض لهذه العين من أعيان الممكنات الثابتة التي لا يصح لها وجود و الأمر الآخر أن يكون قوله من دونه نزولا عن المرتبة التي لله و هذا مثل قولهم مٰا نَعْبُدُهُمْ إِلاّٰ لِيُقَرِّبُونٰا إِلَى اللّٰهِ زُلْفىٰ فهو و إن كان أنزل منه في الرتبة فهو عنده إنه إله فيكون هذا القائل إذا كان صاحب هذا الذكر يرى أن تجلى الحق في الصور أنزل منه لو تجلى في كونه غنيا عن العالمين فلو صح هناك تجل لكان أكمل من تجليه في الصور فتعقل رتبة غناه عن العالم بنفسه و قد يكون هذا لمن يراه عين العالم فعلامته هويته فهو الدليل له عليه كقوله أعوذ بك منك و استعاذ به منه إذ لا مقابل له غير ذاته فهو المعز المذل ثم هنا تنبيه إلهي حيث قرن هذا الحال بالقول لا بالعلم و الحسبان فإن قال ما نظن أنه قد علم إن الأمر كذا فتخيل إن قوله مطابق لعلمه و هذا يستحيل وقوعه من أحد علما لعلمه بذلته و افتقاره و قصوره في نفسه فإذا قال مثل هذا و هو يعلم قصوره فيقولها بوجه لا يقع عليه فيه مؤاخذة و يكون جزاؤه على هذا القول جهنم أي بعده في نفسه عما يقول به على لسانه و هو خير جزاء لأنه علم و يكون كَذٰلِكَ نَجْزِي الظّٰالِمِينَ جزاء الظالم الذي ورث الكتاب من المصطفين فإن اللّٰه أطلق على بعض الورثة اسم الظالم مع كونه من أهل الحق فيتخصص الظالم هنا كما تخصص في قوله وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ و هو ظلم خاص مع كونه نكرة فهو نكرة عند السامع لا عند المتكلم به و
لهذا فسره رسول اللّٰه ص بأنه الشرك خاصة فمثل هذا الهجير يكون موجها فيما ينتج