الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٤ - الكريم هو الذي يترك ماله قبل أن يسألها
ظهر هذا فقد أوجب الحق على عباده القتال معه و القيام في حقه و نصرته و الأخذ على يد الجائر و لا يزال الأمر على ما قلناه حتى يأتي أمر اللّٰه و تنفذ الكلمة الحق و يتوحد الأمر و تعم الرحمة و يرجع الأمر كله إليه كما كان أول مرة و يرتفع بعض النسب و يبقى بعضها بحسب المحل و الدار و النشأة التي تصير فيها و إليها فإن للزمان حكما و للمكان حكما و للحال حكما و اللّٰه يقضي الحق وَ هُوَ خَيْرُ الْفٰاصِلِينَ فتزول المغالبة و المنازعة و يبقى الصلح و السلم في دار السلام إلى أبد لا ينقضي أمده بأزل لا يعينه أبده وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
إن الخليفة من كانت إمامته من صورة الحق و الأسماء تعضده
ليس الخليفة من قامت أدلته من الهوى و هوى الأهواء يقصده
له التقدم بالمعنى و ليس له توقيع حق و لا شرع يؤيده
فيدعي الحق و الأسياف تعضده و هو الكذوب و نجم الحق يرصده
«الباب الثالث و أربعمائة في معرفة منازلة
لا حجة لي على عبيدي ما قلت لأحد منهم
لم عملت إلا قال لي أنت عملت»
و قال الحق و لكن السابقة أسبق بلا شك فلا تبديل
إذا كنت حقا فالمقال مقالتي و إن لم أكن فالقول قول المنازع
لي الحجة البيضاء في كل موطن به فهي تبدو في قريب و شاسع
و لما دعاني للحديث مسامرا تجافت جنوبي رغبة عن مضاجعي
فقال لنا أهلا بأكرم سامر يعيد عن الأكفاء للكل جامع
فقلت له لولاك ما كنت جامعا لحق و خلق ثم فاضت مدامعي
فقال أ تبكي قلت دمع مسرة لما ملئت مما تقول مسامعي
[الكريم هو الذي يترك ماله قبل أن يسألها]
قال اللّٰه عز و جل وَ اللّٰهُ خَلَقَكُمْ وَ مٰا تَعْمَلُونَ اعلم أن الكريم هو الذي يترك ماله و يؤدي ما أوجبه على نفسه من الحقوق كرما منه قبل أن يسألها ثم إنه يمنع وقتا و يطالب وقتا لتظهر بذلك منزلة الشافع عنده في مثل هذا و كرمه بالسائل فيما سأله فيه بإجابته و عبيد اللّٰه عبد إن عبد ليس للشيطان عليه سلطان و هو عبد الاختصاص و هو الذي لا ينطق إلا بالله و لا يسمع إلا بالله فالحجة لله لا له قُلْ فَلِلّٰهِ الْحُجَّةُ الْبٰالِغَةُ فإنها حجة اللّٰه و من عبيد الاختصاص من ينطق عن اللّٰه و يسمع من اللّٰه فهذا أيضا من أهل الحجة البالغة لأنه لا ينطق عَنِ الْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ فهو تعالى السائل و المجيب و أما عبد العموم فهو الذي قال عنهم لرسول اللّٰه ص وَ إِذٰا سَأَلَكَ عِبٰادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّٰاعِ إِذٰا دَعٰانِ فما خص عبيدا من عبيد و أضافهم إليه و قوله يٰا عِبٰادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا فأضافهم إليه مع كونهم مسرفين على الإطلاق في الإسراف و نهاهم أن يقنطوا من رحمة اللّٰه و هذا و أمثاله أطمع إبليس في رحمة اللّٰه من عين المنة و لو قنط من رحمة اللّٰه لزاد إلى عصيانه عصيانا و أخبر اللّٰه عنه في إسرافه أنه يعدنا الفقر و يأمرنا بالفحشاء ليجعل فضله تعالى في مقابلة ما وعد به الشيطان من الفقر الذي هو به مأمور في قوله تعالى وَ عِدْهُمْ فهو مصدق لله فيما أخبر به عنه ممتثل أمر اللّٰه بشبهة في أمره في قوله وَ عِدْهُمْ و جعل مغفرته في مقابلة الفحشاء و الأمر بالفحشاء من الفحشاء فدخل تحت وعد الحق بالمغفرة فزاده طمعا و إن كانت دار النار مسكنه لأنه من أهلها و إن حارت عليه أو زار من اتبعه ممن هو من أهل النار فما حمل إلا ما هو منقطع بالغ إلى أجل و فضل اللّٰه لا انقطاع له لأنه خارج عن الجزاء الوفاق و رحمة اللّٰه لا تخص محلا من محل و لا دارا من دار بل وسعت كل شيء فدار الرحمة هي دار الوجود و هؤلاء العبيد المذكورون ذكرهم اللّٰه بالإضافة إليه و الإضافة إليه تشريف فجمع في الإضافة بين العبيد اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ الذين نهاهم سبحانه أن يقنطوا من رحمة اللّٰه و بشرهم أنه يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً و لم يعين وقتا فقد تكون المغفرة سابقة لبعض العبيد لاحقة لبعض العبيد و بين العبيد الذين ليس للشيطان عليهم سلطان