الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٥٨ - الشرائع آداب اللّٰه لعباده
لأن العبد ما دام في الحياة الدنيا لا يأمن التبديل ف إِنَّ اللّٰهَ يَفْعَلُ مٰا يُرِيدُ و ما يدري العبد على الحقيقة مما كان عليه من الحال في حال عدمه إذ كان مشهودا لله لا لنفسه إلا ما مضى و ما يقع فهو في علم اللّٰه فَلاٰ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّٰهِ لعلمه بالله وَ مٰا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً فلله رجال بهذه المثابة جعلنا اللّٰه منهم فما أعظم بشارتها من آية و لا بلغ إلينا تعيين أحد من أهل هذه الصفة إلا طلحة بن عبيد اللّٰه من العشرة
صح فيه عن رسول اللّٰه ص أنه قال هذا ممن قَضىٰ نَحْبَهُ و هو في الحياة الدنيا فآمن من التبديل و هذا عظيم و يدخل في هذا المقام و إن لم يبلغ فيه مبلغ من له العهد الخالص بالأصالة من عهد اللّٰه على القيام بدينه عند توبته فوفى بِمٰا عٰاهَدَ عَلَيْهُ اللّٰهَ قال لي السيد سليمان الدنبلي إن له خمسين سنة ما خطر له خاطر سوء فمثل هذا يلحق بهؤلاء إذا مات عليه وَ مَنْ أَوْفىٰ بِمٰا عٰاهَدَ عَلَيْهُ اللّٰهَ و كل من جدد عهدا مع اللّٰه فهو من المخلصين ما هو ممن له الدين الخالص فصاحب الدين الخالص مهما تجدد له من اللّٰه حكم بشرع لم يكن يعرفه قبل ذلك و قد كلفه الحق به في كتابه أو على لسان رسوله فإن هذا العبد يتلقاه بالدين الخالص و العهد الأول و لا يضره جهله بالمسألة المعينة الخالصة هذا لا يقدح في صاحب هذا المقام كأبي بكر الصديق الذي ما رأى شيئا إلا رأى اللّٰه قبله بالدين الخالص و العهد الإلهي الذي كان عليه و في شهوده و لهذا لما واجهه رسول اللّٰه ص بالإيمان برسالته بادر و ما تلكأ و لا طلب دليلا على ذلك منه بل صدقه بذلك العهد الخالص فإنه رأى رسالته هناك كما رأى رسول اللّٰه ص نبوته قبل وجود آدم كما
روى عنه كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين أي لم يكن موجودا و إنما عرف بذلك لقوله وَ إِذْ أَخَذْنٰا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثٰاقَهُمْ و كان هذا الميثاق قبل وجود جسد آدم فلما وجد آدم و قبض الحق على ظهره و استخرج منه كأمثال الذر يعني بنيه أَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ كما جاء في القرآن فشهدوا فهذا هو الميثاق الثاني و الميثاق الأول هو ما أخذه على الأنبياء فلما ولدوا فَمِنْهُمْ مَنْ قَضىٰ نَحْبَهُ و منهم من خذله اللّٰه فأشرك جعلنا اللّٰه ممن قضى نحبه و لم يبدل آمين بعزته وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الخامس و الأربعون و أربعمائة في معرفة منازلة
هل عرفت أوليائي الذين أدبتهم بآدابي »
أنبياء اللّٰه ما أدبهم
غيره فاعتصموا بالأدب
فهم السادة لا يخذلهم
هكذا عينهم في الكتب
فالذي يمشي على آثارهم
هو معدود بذا في النجب
فإذا كان كذا ثم كذا
لم يزل لذاك خلف الحجب
أسعد الناس بهم تابعهم
فتراه مثلهم في النصب
لزموا المحراب حتى و رمت
منهم أقدامهم في قرب
[المحب ذليل و المحبوب ذو دلال]
قال اللّٰه تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّٰهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّٰهُ و من أحب اللّٰه ذل و من أحبه اللّٰه دل فالمحب ذليل و المحبوب ذو دلال و دلال و
قال ص إن اللّٰه أدبني فأحسن أدبي
[الشرائع آداب اللّٰه لعباده]
و اعلم أنه لتعريف اللّٰه بمنازل الخلق عنده من ولي و غيره طريقين الطريق الواحدة الكشف فيرى منازل الخلق عند اللّٰه فيعامل كل طائفة بمنزلها من اللّٰه و الطريق الأخرى ملازمة الأدب الإلهي و الأدب الإلهي هو ما شرعه لعباده في رسله و على ألسنتهم فالشرائع آداب اللّٰه التي نصبها لعباده فمن وفى بحق شرعه فقد تأدب بأدب الحق و عرف أولياء الحق فإذا رأيت من جمع الخير بيديه و ملأهما به فتعلم أنه قد أخذ بأدب اللّٰه
فإن رسول اللّٰه ص يقول لربه و هو الصادق العالم بربه و الخير كله بيديك فالخير إذا أردت أن تعرفه فاعلم أنه جماع مكارم الأخلاق و هي معروفة عرفا و شرعا و كل ما تراه من إقامة الحدود على من لو لم يأمرك الحق بذلك لكنت تعفو عنه فذلك لا يقدح في مكارم الأخلاق مع هذا الشخص فإنك ما فعلت به ما فعلت لنفسك و إنما اللّٰه فعل بعبده ما شاء على يدك و كلاكما عبد لسيد واحد و إنما كلامنا فيما يرجع إليك لا لأمر سيدك فإنه من مكارم الأخلاق في العبيد امتثال أوامر سيدهم في عباده و الوقوف عند حدوده و مراسمه فيهم لاٰ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كٰانُوا آبٰاءَهُمْ أَوْ أَبْنٰاءَهُمْ أَوْ إِخْوٰانَهُمْ