الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٥٤٣ - (وصية نبوية في ذم انبساط الأمل و نسيان الأجل)
قال رسول اللّٰه ص و قد قيل له يا رسول اللّٰه من أولياء اللّٰه الذين فَلاٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ فقال الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها و اهتموا بأجل الدنيا حين اهتم الناس بعاجلها فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم و تركوا منها ما علموا أن سيتركهم فما عرضهم من نائلها عارض إلا رفضوه و لا خادعهم من رفعتها خادع إلا وضعوه خلقت الدنيا عندهم فما يجددونها و خربت بيتهم فما يعمرونها و ماتت في صدورهم فما يحيونها بل يهدمونها فيبنون بها آخرتهم و يبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم و نظروا إلى أهلها صرعى قد حلت بهم المثلات فما يرون أما نادون ما يرجون و لا خوفا دون ما يحذرون
(وصية أيضا نبوية)
قال رسول اللّٰه ص إنما أنتم خلف ماضين و بقية متقدمين كانوا أكثر منكم بسطة و أعظم سطوة أزعجوا عنها أسكن ما كانوا إليها و غدرت بهم أوثق ما كانوا بها فلم تغن عنهم قوة عشيرة و لا قبل منهم بدل فدية فارحلوا أنفسكم بزاد مبلغ قبل أن تؤاخذوا على فجأة و قد غفلتم عن الاستعداد و لا يغني الندم و قد جف القلم
(وصية بموعظة و ذكرى)
قال رسول اللّٰه ص كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل و عد نفسك في الموتى و إذا أصبحت فلا تحدثها بالمساء و إذا أمسيت فلا تحدثها بالصباح و خذ من صحتك لسقمك و من شبابك لهرمك و من فراغك لشغلك و من حياتك لوفاتك فإنك لا تدري ما اسمك غدا
(وصية نبوية نافعة)
قال رسول اللّٰه ص لا يشغلنكم دنياكم عن آخرتكم و لا تؤثروا أهواءكم على طاعة ربكم و لا تجعلوا أيمانكم ذريعة لمعاصيكم و حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا و مهدوا لها قبل أن تعذبوا و تزودوا للرحيل قبل أن تزعجوا فإنما هو موقف عدل و اقتضاء حق و سؤال عن واجب و لقد بلغ في الإعذار من تقدم في الإنذار
(وصية نبوية خبرية بما ينبغي أن يقبل عليه و يعرض عنه)
قال رسول اللّٰه ص يا أيها الناس أقبلوا على ما كلفتموه من صلاح آخرتكم و أعرضوا عما ضمن لكم من أمر دنياكم و لا تستعملوا جوارحا غذيت بنعمته في التعرض لسخطه بمعصيته و اجعلوا شغلكم بالتماس مغفرته و اصرفوا هممكم إلى التقرب إليه بطاعته إنه من بدأ بنصيبه من الدنيا فإنه نصيبه من الآخرة و لا يدرك منها ما يريد و من بدأ بنصيبه من الآخرة وصل إليه نصيبه من الدنيا و أدرك من الآخرة ما يريد
(وصية نبوية فيما ينبغي أن يترك
من الفضول)
قال رسول اللّٰه ص إياكم و فضول المطعم فإن فضول المطعم يسم القلب بالقساوة و يبطىء بالجوارح عن الطاعة و يصم الهمم عن سماع الموعظة و إياكم و فضول النظر فإنه يبذر الهوى و يولد الغفلة و إياك و استشعار الطمع فإنه يشرب القلب شدة الحرص و يختم على القلوب بطابع حب الدنيا فهو مفتاح كل سيئة و سبب إحباط كل حسنة
(وصية نبوية بما يرجى و يتقى)
قال رسول اللّٰه ص إنما هو خير يرجى أو شر يتقى و باطل عرف فاجتنب و حق تيقن فطلب و آخرة أظل إقبالها فسعى لها و دنيا أزف نفادها فأعرض عنها و كيف يعمل للآخرة من لا ينقطع عن الدنيا رغبته و لا تنقضي فيها شهوته إن العجب كل العجب لمن صدق بدار البقاء و هو يسعى لدار الفناء و عرف أن رضا اللّٰه في طاعته و هو يسعى في مخالفته
(وصية نبوية)
قال رسول اللّٰه ص حلوا أنفسكم بالطاعة و ألبسوها قناع المخافة و اجعلوا آخرتكم لأنفسكم و سعيكم لمستقركم و اعلموا أنكم عن قليل راحلون و إلى اللّٰه صائرون و لا يغني عنكم هنالك إلا صالح عمل قدمتموه أو حسن ثواب حزتموه إنكم إنما تقدمون على ما قدمتم و تجازون على ما أسلفتم و لا تخدعنكم زخارف دنيا دنية عن مراتب جنات علية فكان قد كشف القناع و ارتفع الارتياب و لاقى كل امرئ مستقره و عرف مثواه و مقيله
(وصية نبوية في التحذير
عن المكر و الخداع)
قال رسول اللّٰه ص لا تكونوا ممن خدعته العاجلة و غرته الأمنية و استهوته الخدعة فركن إلى دار سريعة الزوال وشيكة الانتقال إنه لم يبق من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب أو صر حالب فعلام تعرجون و ما ذا تنتظرون فكأنكم و اللّٰه بما قد أصبحتم فيه من الدنيا كان لم يكن و ما تصيرون إليه من الآخرة كان لم يزل فخذوا الأهبة لأزوف النقلة و أعدوا الزاد لقرب الرحلة و اعلموا أن كل امرئ على ما قدم قادم و على ما خلف نادم
(وصية نبوية في ذم انبساط الأمل و نسيان الأجل)
قال رسول اللّٰه ص