الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٠ - أن الحق عين قوى العبد
نائمين فما برحوا في رؤيا فما برحوا في أنفسهم من هذا التنوع و ما برح ما يدركونه في أعينهم من التنوع فلم يزل الأمر كذلك و لا يزال الأمر في الحياة الدنيا و في الآخرة هكذا كما أوردناه و ذكرناه وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الخامس عشر و أربعمائة في معرفة منازلة
من دعاني فقد أدى حق عبوديته
و من أنصف نفسه فقد أنصفني »
إذا ما دعوت اللّٰه من غير أمره
فلست له عبد أو ما أنصف العبد
و أصبحت عبدا للحظوظ و ما لنا
وفاء و لا عهد و قد ثبت العهد
و لو لا قيام العبد في عهد ربه
لما صح أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و لا وعد
و ليس سوى التكليف قربا مخصصا
يعينه أمر و يثبته عقد
و قامت حقوق الحق من كل جانب
علينا و لو لا القرب ما عرف البعد
فمن أنصف الأكوان أنصف ربه
و كان له في ذات خالقه الخلد
و صح له مجد تليد و طارف
و كان له بين الملائكة الحمد
إلا إنما العبد الذي لم يزل به
يموت و يحيا و الوقوف له حد
و ما كلف الرحمن نفسا سوى الذي
تقوم به فاجهد فقد ينفع الجهد
فمن قام بالرحمن كان له الجد
و من قام للرحمن كان له الجد
و خصص بالآيات في عين نفسه
و آفاقه فاحمد بما حمد الحمد
[أن الحق عين قوى العبد]
قال اللّٰه تعالى اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ و قال إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰاخِرِينَ فوصفهم بأنهم لا يخرجون عن العبودية و أن الذلة حقيقتهم و هو قوله دٰاخِرِينَ فمن لم يرد أن يكون عبدا لي كما هو في نفس الأمر فإنه سيكون عبد الطبيعة التي هي جهنم و يذل تحت سلطانها كما هو ليس هو في نفس الأمر فترك العلم و اتصف بالجهل فلو علم لكان عبدا لي و ما دعا غيري كما هو في نفس الأمر عبد لي أحب أم كره و جهل أو علم و إذا كان عبدا لي بدعائه إياي و لم يتكبر في نفسه أن يكون عبد إلى عند نفسه أعطيته التصريف في الطبيعة فكان سيدا لها و عليها و مصرفا لها و متصرفا فيها و كانت أمته فانظر ما فاته من العز و السلطان من استكبر عن عبادتي و لم يدعني في السراء و كشف الضر تعبدته الأسباب فكان من الجاهلين و مما يؤيد أن الحق عين قوى العبد فالتصريف له لأن العبد لا تصرفه إلا قواه و لا يصرفه إلا الحق فقواه عين الحق دليلنا ما قالته الرسل سلام اللّٰه عليهم في ذلك
فأخبر محمد ص عن اللّٰه أنه قال كنت سمعه و بصره و يده يعني العبد إذا تقرب إليه بالنوافل حتى يحبه و ذكر قواه التي تصرفه و نزل في القرآن تصديق هذا القول و هو قوله وَ اللّٰهُ خَلَقَكُمْ وَ مٰا تَعْمَلُونَ و العمل ليس لجسم الإنسان بما هو جسم و إنما العمل فيه لقواه و قد أخبر أن العمل الذي يظهر من الإنسان المضاف إليه أنه لله خلق فالحق قواه و أما موسى فأخذ العالم في ماهية الحق لما دعا فرعون إلى اللّٰه رب العالمين فقال له فرعون وَ مٰا رَبُّ الْعٰالَمِينَ يسأله عن الماهية فقال له موسى ع رَبُّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مٰا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ يقول إن استقر في قلوبكم ما يعطيه الدليل و النظر الصحيح من الدال فأخذ موسى ع العالم في التعريف بماهية الحق و الرسل عندنا أعلم الخلق بالله فقال فرعون و قد علم إن الحق مع موسى فيما أجابه به إلا أنه أوهم الحاضرين و استخفهم لأن السؤال منه إنما وقع بما طابقه الحق و هو قوله وَ مٰا رَبُّ الْعٰالَمِينَ فما سأله إلا بذكر العالمين فطابق الجواب السؤال فقال فرعون لقومه أَ لاٰ تَسْتَمِعُونَ أسأله عن الماهية فيجيبني بالأمور الإضافية فغالطهم و هو ما سأل إلا عن الرب المضاف فقال له موسى رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبٰائِكُمُ الْأَوَّلِينَ فخصص الإضافة لدعوى فرعون في قومه إنه ربهم الأعلى فقال فرعون إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ أي قد ستر عنه عقله لأن العاقل لا يسأل عن ماهية شيء فيجيب بمثل هذا الجواب فقال له موسى لقرينة حال اقتضاها المجلس ما قال إبراهيم ع لنمرود رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ و لو لم يقل هنا