الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٥٢ - «حضرة الكرم»
و ناعت فما رأينا أشبه شيء منه بالصدى فإنه ما يرد عليك إلا ما تكلمت به فوضعه الحق لهذا المقام و أمثاله مثالا مضروبا فإن اللّٰه ما خلق الخلق لعين الخلق و إنما خلقه ضرب مثال له سبحانه و تعالى علوا كبيرا و لهذا أوجده على صورته فهو عظيم بهذا القصد و حقير بكونه موضوعا و لا بد من عارف و معروف فلا بد من خلق و حق و ليس كمال الوجود إلا بهما فظهر كمال الوجود في الدنيا ثم ينتقل الأمر إلى الأخرى على أتم الوجوه و أكملها عموما في الظاهر كما عمت في الدنيا في الباطن فهي في الآخرة في الظاهر و الباطن فلا بد أن تكون الآخرة تطلب حشر الأجساد و ظهورها و لا بد من إمضاء حكم التكوين فيهما فهي في الدنيا في العموم تقول للشيء كُنْ فَيَكُونُ في تصورها و تخيلها لأن موطن الدنيا ينقص في بعض الأمزجة عن إمضاء عين التكوين في العين في الظاهر و في الآخرة تقول ذلك بعينه لما يريد أن يكون كُنْ فَيَكُونُ في عينه من خارج كوجود الأكوان هنا عن كن الإلهية عند أسبابها فكانت الآخرة أعظم كمالا من هذا الوجه لتعميم الكلمة الحضرتين الخيال و الحس
فللأولى هو السر و للآخر الجهر
فمن آمن بالكل فقد بان له الأمر
و ما ثم حضرة في الحضرات الإلهية من يكون عنها النقيضان في العين الواحدة إلا هذه الحضرة فهي العامة الجامعة التي تضمنت الأسماء كلها حسنها و سيئها و الجلال من صفات الوجه فله البقاء دائما و هو من أدل دليل على إن كل ما في الدنيا في الآخرة بلا شك و مما في الدنيا ما لا خفاء به و هي الأجسام الطبيعية التي من شأنها أن تأكل و تشرب و تستحيل مأكلها و مشروبها بحسب أمزجتها ففي الجنة يستحيل ما يأكله أهلها عرقا يخرج من أعراضها أطيب من ريح المسك قال تعالى وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاٰلِ وَ الْإِكْرٰامِ فقال قائل بأي نسبة يكون له هذا البقاء فقال ذُو الْجَلاٰلِ وَ الْإِكْرٰامِ فرفع بنعت الوجه فلو خفض نعت الرب و كان النعت بالجلال و له النقيضان فيبقى الوجه الذي له النقيضان و لا يفنى و إنما يفنى ما كان على هذه الأرض فناء انتقال في الجوهر و فناء عدم في الصورة فيظهر مثل الصورة لا عينها في الجوهر الباقي الذي هو عجب الذنب الذي تقوم عليه نشأة الآخرة فيبقى حكم الوجه المنعوت بالجلال و يتبعه اسمه حيث كان فللاسم البقاء كما كان البقاء للمسمى به وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«حضرة الكرم»
إن الكريم الذي يعطي إذا سألا
و لو تراه فقيرا للذي ألا
و ليس يبرح من إذلال نشأته
بما يعز و لو محبوبه وصلا
و لا أحاشي من الأعيان من أحد
إلا الغني الذي يعطي إذا سألا
و ذاك للأدب المعتاد أنسبه
فإنه مانع و لا تقل بخلا
سبحانه و تعالى أن يحيط به
علم الخلائق عينا حل أو رحلا
فإن يحل ففي قلبي منازله
و إن أقام أراه فيه مرتحلا
و ليس ينقصه مما يحيط به
إلا إذا قيل شهر اللّٰه قد كملا
إن القرآن لفي آياته عجب
آباره تقتضي الأزمان و الأزلا
يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الكريم و هو يتبع الجليل و يلازمه قال تعالى وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاٰلِ وَ الْإِكْرٰامِ و قال تعالى تَبٰارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلاٰلِ وَ الْإِكْرٰامِ و إنما تبعه من حيث ما يعطيه وضع الجلال و لما كان يعطي النقيضين جاء بالإكرام على الوجهين فإن السامع إذا أخذ الجلال على العظمة أدركه القنوط لعدم الوصول إلى من له العظمة لما يرى نفسه عليه من الاحتقار و البعد عن التفات ما يعطيه مقام العظمة إليه فأزال اللّٰه عن وهمه ذلك الذي تخيله بقوله وَ الْإِكْرٰامِ أي و إن كانت له العظمة فإنه يكرم خلقه و ينظر إليهم بجوده و كرمه نزولا منه من هذه العظمة فلما سمع القانط ذلك عظم في نفسه أكثر مما كان عنده أو لا من عظمته و ذلك لأن عظمته الأولى التي كان يعظم بها الحق