الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣١٤ - الهدى و الابتلاء
ملتذا و إن ذوقك الحسرة لما يفوتك هنا تجدها و في القيامة و أما في الجنة فيذهب اللّٰه بها عنك و لكن تعلم من هو أعلى منك قدر ما فاتك و ترزق أنت القناعة بحالك و ما أنت فيه و الرضاء فلا أدنى همة ممن يعلم أن هناك مثل هذا و لا يرغب في تحصيل العالي من الدرجات هذا رسول اللّٰه ص قد سأل أمته أن يسألوا اللّٰه له في الوسيلة طلبا للأعلى لعلو همته
أ لا تراه عند موته ص كيف قال لما خير الرفيق الأعلى فقيده بالأعلى و إن علم المحروم في الجنة ما فاته فلا يكترث له لعدم ذوقه و كل من تعلقت همته في الدنيا بطلب الأعلى و لم يحصل ذلك ذوقا في الدنيا و لا كشف له فيه فإنه يوم القيامة يناله و لا بد و يكون فيه كالذائق له هنا لا فرق و ما بين الشخصين إلا ما عجل له هنا من ذلك فالمحروم كل المحروم من لا يعلق همته هنا بتحصيل المعالي من الأمور و لكن لا بد مع التمني من بذل المجهود و أما إن تمنى مع الكسل و التثبط فما هو ذلك الذي أشرنا إليه
حضرة الهدى و الهدى تركت أمرنا سدى
قالت الأمر كله لآله تفردا
ليس المجد عزة و امتناعا و سؤددا
بوجودي من جوده في وجودي توحدا
و بعيني و كونه قد بدا منه ما بدا
فبه كنت لم أكن بكيانى موحدا
فإذا ما تمجدا فبكوني تمجدا
فإنه لا يحمد و لا يمجد إلا بأسمائه و لا تعقل مدلولات أسمائه إلا بنا فلو زلنا نحن ذهنا و وجودا لما كان ثم ثناء و لا مثن و لا مثنى عليه فبي و به كان الأمر و كمل و مع هذا فهو غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ إذا لم يطلب كمال الأمر فهو الكامل لنفسه و عينه و كونه لأنه واجب الوجود لنفسه لا تعلق له بالعالم لذاته و إنما كان التعلق من حيث أعيان الممكنات لأنها تطلب نسبا تظهر بها عينها و ما ثم موجود تستند إليه هذه النسب إلا واحد و هو اللّٰه الواجب الوجود لنفسه تعالى فافتقرت إليه إضافات النسب و افتقرت الممكنات إلى النسب فافتقرت إليه فهي أشد فقرا من النسب فصح غناه عن العالم لذاته و عينه
[إن الوجود طلب الكمال]
و لذلك تقول في التقسيم العقلي إن الوجود طلب الكمال و المعرفة طلبت الكمال و لم تجد من بيده مطلوبها إلا الحق سبحانه فافتقرت إليه في ذلك فأوجد الحادث الذي هو عين الممكن فكمل الوجود أي كمل أقسام الوجود في العقل و كذلك تعرف إلى العالم فعرفوه بمعرفة حادثة فكملت المعرفة به في التقسيم العقلي و كل معرفة و علم بقدر العالم و العارف إلا أنه في الجملة لم يبق كمال إلا ظهر فيه بإحسان اللّٰه و رحمته بالسائل في ذلك و لما ظهر العالم من البر الرحيم لم يعرف غير الإحسان و الرحمة فهو على صورة الإحسان و الرحمة فهو مفطور على أن لا يكون منه إلا إحسان و رحمة و لكن بقي متعلقها فيرحم و يحسن لنفسه أولا و لا يبالي كان في ذلك إحسان للغير أو لم يكن فإن الأصل على هذا خرج حيث أحب أن يعرف فخلق الخلق فتعرف إليهم فعرفوه و قد علم إن منهم من يتألم و لكن ما راعى إلا العلم به لا من يتألم منهم فالنعيم وجود و العذاب فقد ذلك النعيم لا أنه أمر وجودي فالعالم كله بر رحيم بنفسه لا بد من ذلك فإنه من الجود صدر
ليس في العالم إلا من هو البر الرحيم
فإذا ما كنت عبدا فنعيمه المقيم
و إذا ما كنت ربا فعذابه الأليم
و صراطي بين هذين صراط مستقيم
ذاك هدى الأنبياء و هدى اللّٰه القويم
فنعيمه وجود و عذابه عديم
فانظروا فيما ذكرنا فهو العليم الحكيم
[الهدى و الابتلاء]
فالهدى التبياني ابتلاء و هو قوله تعالى وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدٰاهُمْ حَتّٰى يُبَيِّنَ لَهُمْ مٰا يَتَّقُونَ و
قوله ص ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل و قوله تعالى وَ أَضَلَّهُ اللّٰهُ عَلىٰ عِلْمٍ و الهدى التوفيقي و هو الذي يعطي السعادة لمن قام به و هو قوله إِنَّكَ لاٰ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ و قوله لَيْسَ عَلَيْكَ هُدٰاهُمْ و هذا هو هدى الأنبياء فالهدى التوفيقي هدى الأنبياء ع فَبِهُدٰاهُمُ اقْتَدِهْ و هو الذي يعطي سعادة العباد وَ مٰا تَوْفِيقِي إِلاّٰ بِاللّٰهِ و الهدى بمعنى البيان قد يعطي السعادة و قد لا يعطيها إلا أنه يعطي العلم و لا بد فاعلم ذلك وَ اللّٰهُ يَقُولُ