الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣٧٧ - الشاكر ماكر
و تسمى بالأول و الآخر و قد كان و لا شيء معه فهو السابق و هو الذي يصلي علينا فهو اللاحق فالمنحة الإلهية و الإفادة لا تكون إلا لأهل الإرادة و القائل في حد الإرادة بترك ما عليه العادة جهل من قائله فإنه ما ثم عادة لأنها من الإعادة و ما في الوجود أعاده من أغاليط النفس القول برجوع الشمس و ما رجعت و لا نزلت و لا ارتفعت هي في فلكها سابحة غادية رائحة غدوها و رواحها حكم البصر و ما يعطيه في الكرة النظر قرأ ابن مسعود و الشمس تجري لا مستقر لها و قرأ غيره لِمُسْتَقَرٍّ لَهٰا و كل ذلك صحيح لمن تأمل فيا أيها الطالب تأمل
لها قرار ما لها يا ليت شعري ما لها
لا شك أن ربنا بذلكم أَوْحىٰ لَهٰا
لو عرفوا مقرها ما زلزلوا زلزالها
أخرجت الشمس لنا من أرضها أثقالها
من كل نور حسن جرت به أذيالها
تيها و عجبا و لذا قد قيل أيضا ما لها
ما قال شخص ما لها حتى رأى مقالها
فيا لها من قالة قد قالها من قالها
رأيت فيها هديها كما رأت ضلالها
ضلالها حيرتها فلا تقولوا ما لها
[المراد منقاد]
و من ذلك المراد منقاد من الباب ٢٣٤ من كان سهل القياد خيف عليه الفساد و أمن من العناد و ما وثق به السيد و لا العباد كل من أخذ بزمامه قاده إما إلى شقاوة أو سعادة فمن طرفه طموح فهو اللين الجموح ما يسعد المنقاد إلا بالإنفاق فما الانقياد من مكارم الأخلاق و إنما قيل في المراد منقاد في طريق العارفين و العباد لأن قائدهم الحق و هو القائد المشفق فهانت عليه التكاليف و تصرف بالتذاذ في جميع التصاريف فسلك الطريق بلذة مستلذة فالمراد منقاد لما به يراد فمن أغاليط القوم ما رفعوه عن المراد من اللؤم حيث كان سهل الانقياد فألحقوه بالأجواد فحكم العلم تغنم و تسلم
[المريد من يجد في القرآن ما يريد]
و من ذلك المريد من يجد في القرآن ما يريد من الباب ٢٣٥ كان شيخنا أبو مدين يقول المريد من يجد في القرآن كل ما يريد و لقد صدق في قوله الشيخ العارف لأن اللّٰه يقول مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ فقد حوى جميع المعارف و أحاط بما في العلم الإلهي من المواقف و إن لم تتناهى فقد أحاط علما بها و بأنها لا تتناهى فاسترسل عليها علمه و أظهرها عن التتالي حكمه إلى غير أمد بل لأبد الأبد فالمريد المكين من يقول لما يريد كُنْ فَيَكُونُ فمن لم يكن له هذا المقام فما هو مريد و السلام من كانت إرادته قاصرة و همته متقاصرة لا يتميز عن سائر العبيد فهذا معنى المريد فإن احتجبت بقوله إِنَّكَ لاٰ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ فما أصبت العلام من ينتقل من مقام إلى مقام ذلك حكم الدار و أين دار البوار من دار القرار
[من أهمه نفوذ ألهمه]
و من ذلك من أهمه نفوذ ألهمه من الباب ٢٣٦ صاحب ألهمه لا تنفذ له همه لأن همه فيما أهمه هو بحكم لدار فلا يزال يبحث عن الآثار و يتلقى الركبان و يسأل عما كان و يعرف أن لنفوذ الهمة دارا تختص بها و هنا يعتصم بحبلها و سببها إذا كانت الهمة عالية لا يظهر لها أثر في الفانية فإنها تفني بفنائها و ترحل عن فنائها و تعلقت بالباقية و تعملت الأسباب الواقية فمشهوده اللمة و فيها يصرف حكم الهمة فلا يزال يسعى في نجاته و يرقى في كل نفس في درجاته إلى أن ينتهي في الترقي إلى الواحد العلي و ليس بعد الواحد بما يعطيه الطريق الأمم إلا الثاني أو العدم و العدم محال و الثاني ضلال فما بقي الشاهد إلا الواحد فعليه اعتكف و عنه لا تنصرف
[الاغتراب تباب]
و من ذلك الاغتراب تباب من الباب ٢٣٧ الغربة مفتاح الكرب و لولاها ما كانت القرب القريب هو الغريب و هو الحبيب و لا يقال في الحبيب إنه غريب هو للمحب عينه و ذاته و أسماؤه و صفاته لا نظر له إليه فإنه ليس شيئا زائدا عليه ما هو عنه بمعزل و ما هو له بمنزل قيل لقيس ليلى من أنت قال ليلى قيل له من ليلى قال ليلى فما ظهر له عين في هذا البين فما بقي اغتراب فإنه في تباب فقد عينه و زال كونه العشاق لا يتصفون بالشوق و الاشتياق الشوق إلى غائب و ما ثم غائب من كان الحق سمعه كيف يطلبه و من كان لسانه كيف يعتبه فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ و ما ثم أين عند من تحقق بالعين
[الشاكر ماكر]
و من ذلك الشاكر ماكر من الباب ٢٣٨ كيف يمدح بالشكر من شكره عين المكر من أوصل حقا إلى مستحقه فقد أدى إليه واجب حقه فعلى ما وقع الشكر و لا فضل لعدم البذل فلو صح البذل لثبت الفضل و لو ثبت الفضل