الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٧٢ - إن اللّٰه قريب منا
من نعيم العلوم و المعارف و بما تعمله الحيوانية من المأكل و المشرب و الملبس و المنكح و المركب و كل نعيم محسوس ففرحت بالمكانة و المكان و المنزلة و المنزل فهذا هو المال الرابح و التجارة المنجية التي لا تبور جعلنا اللّٰه و إياكم ممن حصل له رتبة الشهداء في عافية و سلامة و مات موت السعداء ففاز بالأجر و النور و الالتذاذ بالنعيمين في دار المقامة و السرور فإنها تجارة لَنْ تَبُورَ وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«القريب الأقرب حضرة القربة و القرب و القرب»
أقرب الخلق إليه
عبده إن كنت تدري
أنه يعلم سرى
مثل ما يعلم جهري
لا تقل إنك أني
و لتقم في اللّٰه عذري
إنني عبد قريب
من وجودي مثل سحري
إنه نفس عني
كربة من ضيق صدري
حضرة الأقرب أعلى الحضرات
و هي بالذات لأهل الفترات
فهي قرب فيه بعد للذي
قيل فيه إنه ذو عثرات
[إن اللّٰه قريب منا]
يدعى صاحبها عبد الأقرب و عبد القريب فإنه عز و جل أقرب إلينا مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ و قال تعالى فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّٰاعِ و قال إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ
فهو القريب بنزوله من العرش إلى السماء الدنيا كما أخبر ص و هو أقرب فإنه معنا أينما كنا فهو المسمى بالقريب الأقرب فهو أقرب إلينا منا لأن حبل الوريد منا و الحبل الوصل فهو أوصل فإنه ما كان الوصل إلا به فبه نسمع و نبصر و نقوم و نقعد و نشاء و نحكم و هذه الأحكام ليست لحبل الوريد فهو أقرب إلينا مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ فإن غاية حبل الوريد منا الذي جاء له ما للعروق من الحكم في أنها مجرى الحياة و سكك الدماء ثم إنه تعالى شرع القرب فينا لكوننا مخلوقين على صورته فأنزلنا منزلة الأمثال و المثلان ضدان و الضد في غاية البعد ممن يضاده مع كونه في غاية القرب للاشتراك في الصفات الذاتية النفسية فلما تحقق العبد بالتعريف الإلهي هذا البعد عن اللّٰه شرع له تعالى طرق القربة إليه إلى أن كان مع هذا البعد سمعه و بصره و جميع قواه بفعله ما شرع له أن يفعل فهو لذله و افتقاره ضد و هو بالصورة لكونه مثلا ضد فصح بالذلة و الافتقار إضافة الفعل إليه فيما شرع له فتقرب إليه بما نسب إليه من الفعل فقرب القرب الذي أخبر الحق أنه جميع قواه و أعضائه بهويته و أقرب من هذا فلا يكون فإنه أثبت عين العبد بإعادة الضمير عليه من قوله سمعه و بصره و لسانه و يده و رجله و أثبت أنه ما هو هو فإنه ليس هو هو إلا بقواه فإنها من حده الذاتي كما قال وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ رَمىٰ فالصورة و المعنى معا له تعالى فملك الكل إذ كان عين الكل فما في الكون إلا هو سبحانه و تعالى عنه في منازل أسمائه الحسنى لأنه ما ثم عمن تسبحه و تنزهه إلا عنه
فله القربة و القرب و له الجثة و القلب
و له ما نحن فيه فله الظاهر و القلب
يقلب الأمر إليه حالة الراحة و الكرب
غضب الحق كروبي و بها السرور فأعجب
فاجتهد إن كنت تبغي سورة العبد المقرب
فإذا فرغت فانصب و إلى ربك فارغب
هذه آية من في حكمه بي يتقلب
فإذا زلنا فأمر واحد ما فيه مذهب
فبه يحيي وجودي و به نلهو و نلعب