الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٤٥٠ - أن اللّٰه عند لسان كل قائل
لأعطينه و لئن استعاذ بي لأعيذنه و ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس عبدي المؤمن يكره الموت و أنا أكره مساءته فانظر إلى ما تنتجه محبة اللّٰه فثابر على أداء ما يصح به وجود هذه المحبة الإلهية و لا يصح نفل إلا بعد تكملة الفرض و في النفل عينه فروض و نوافل فبما فيه من الفروض تكمل الفرائض
ورد في الصحيح أنه يقول تعالى انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها فإن كانت تامة كتبت له تامة و إن كان انتقص منها شيئا قال انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع قال اللّٰه أكملوا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم و ليست النوافل إلا ما لها أصل في الفرائض و ما لا أصل له في فرض فذلك إنشاء عيادة مستقلة يسميها علماء الرسوم بدعة قال اللّٰه تعالى وَ رَهْبٰانِيَّةً ابْتَدَعُوهٰا و
سماها رسول اللّٰه ص سنة حسنة و الذي سنها له أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا و لما لم يكن في قوة النفل أن يسد مسد الفرض جعل في نفس النفل فروضا لتجبر الفرائض بالفرائض كصلاة النافلة بحكم الأصل ثم إنها تشتمل على فرائض من ذكر و ركوع و سجود مع كونها في الأصل نافلة و هذه الأقوال و الأفعال فرائض فيها
(وصية)
و عليك بمراعاة أقوالك كما تراعي أعمالك فإن أقوالك من جملة عملك و لهذا قال بعض العلماء من عد كلامه من عمله قل كلامه
[أن اللّٰه عند لسان كل قائل]
و اعلم أن اللّٰه راعي أقوال عباده و أن اللّٰه عند لسان كل قائل فما نهاك اللّٰه عنه إن تتلفظ به فلا تتلفظ به و إن لم تعتقده فإن اللّٰه سائلك عنه روينا أن الملك لا يكتب على العبد ما يعمله حتى يتكلم به قال تعالى مٰا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّٰ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ يريد الملك الذي يحصي عليك أقوالك يقول تعالى إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحٰافِظِينَ كِرٰاماً كٰاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مٰا تَفْعَلُونَ و أقوالك من أفعالك انظر في قوله تعالى وَ لاٰ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتٌ فنهاك عن القول فإنه كذب اللّٰه من قال مثل هذا القول فإن اللّٰه قال فيهم إنهم أحياء أ لا ترى إلى قوله تعالى حيث يقول وَ لاٰ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتاً بَلْ أَحْيٰاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ و قال لاٰ يُحِبُّ اللّٰهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ و قال لاٰ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوٰاهُمْ و هو القول فإذا تكلمت فتكلم بميزان ما شرع اللّٰه لك أن تتكلم به و
كان رسول اللّٰه ص يمزح و لا يقول إلا حقا فعليك بقول الحق الذي يرضى اللّٰه فما كل حق يقال يرضى اللّٰه فإن النميمة حق و الغيبة حق و هي لا ترضي اللّٰه و قد نهيت أن تغتاب و إن تنم بأحد و من مراعاة اللّٰه الأقوال
ما رويناه في صحيح مسلم عن اللّٰه تعالى لما مطرت السماء قال عز و جل أصبح من عبادي مؤمن بي و كافر فمن قال مطرنا بنوء كذا و كذا فهو كافر بي مؤمن بالكوكب و أما من قال مطرنا بفضل اللّٰه و رحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب فراعى أقوال القائلين و كان أبو هريرة يقول إذا مطرت السماء مطرنا بنوء الفتح ثم يتلو مٰا يَفْتَحِ اللّٰهُ لِلنّٰاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاٰ مُمْسِكَ لَهٰا و لو كنت تعتقد أن اللّٰه هو الذي وضع الأسباب و نصبها و أجرى العادة عندنا بأنه يفعل الأشياء عندها لا بها و مع هذا كله لا تقل ما نهاك اللّٰه عنه أن تقوله و تتلفظ به فإنه كما نهاك عن أمور نهاك عن القول و إن كان حقا و انظر ما أحكم قول اللّٰه عز و جل في قوله مؤمن بي كافر بالكوكب و كافر بي مؤمن بالكوكب فإنه مهما قال بفضل اللّٰه فقد ستر الكوكب حيث لم ينطق باسمه و من قال بالكوكب فقد ستر اللّٰه و إن اعتقد أنه الفاعل منزل المطر و لكن لم يتلفظ باسمه فجاء تعالى بلفظ الكفر الذي هو الستر فإياك و الاستمطار بالأنواء أن تتلفظ به فأحرى إن تعتقده فإن اعتقادك إن كنت مؤمنا أن اللّٰه نصبها أدلة عادية و كل دليل عادي يجوز خرق العادة فيه فاحذر من غوائل العادات و لا تصرفنك عن حدود اللّٰه التي حد لك فلا تتعداها فإن اللّٰه ما حدها حتى راعاها و ذلك في كل شيء
ورد في الخبر الصحيح أن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط اللّٰه ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيهوي بها في النار سبعين حريفا و إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان اللّٰه ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيرفع بها في عليين فلا تنطق إلا بما يرضى اللّٰه لا بما يسخط اللّٰه عليك و ذلك لا يتمكن لك إلا بمعرفة ما حده لك في نطقك و هذا باب أغفله الناس
قال رسول اللّٰه ص و هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم و قال الحكيم لا شيء أحق بسجن من لسان و قد جعله اللّٰه خلف بابين الشفتين و الأسنان و مع هذا يكثر الفضول و يفتح الأبواب