الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ١٥٠ - الفرقان حصل للمتقين
بنفسه على نفسه لخلقه امتنانا منه لصدق وعده لا غير و تمم التعريف بقوله فَقِنٰا عَذٰابَ النّٰارِ و ليست إلا الطبيعة في هذه الدار فإنها محل الانفعال فيها لأنها للحق بمنزلة الأنثى للذكر ففيها يظهر التكوين أعني تكوين كل ما سوى اللّٰه و هي أمر معقول فلما رأى من رأى قوة سلطانها و ما علم إن قوة سلطانها إنما هو في قبولها لما يكونه الحق فيها فنسبوا التكوين لها و أضافوه إليها و نسوا الحق بها فَأَنْسٰاهُمْ أَنْفُسَهُمْ إذ صرفهم عن آيات نفوسهم و هو قوله سَأَصْرِفُ عَنْ آيٰاتِيَ الَّذِينَ و وصفهم الحق
[انقسم الخلق إلى قسمين]
فانقسم الخلق إلى قسمين قسم إلى الحق الصرف و قسم إلى الطبيعة الصرف و ظهر بينهما برزخ ظهر فيه عالم ما هو و لا واحد من هذين القسمين فرأى ما يستحقه الحق فأعطاه حقه و لو لم يعطه فهو له و رأى ما تستحقه الطبيعة فأعطاها حقها و لو لم يعطها فهو لها فإن الطبيعة ليست بمجعولة بل هي لذاتها في العقل لا في العين كما هو الحق لذاته في العقل و العين فإن اجتمع الحق و الطبيعة في العقل فقد افترق الحق من العقل و تميز في العين فإن الحق له الوجود العيني و العقلي و الطبيعة لها الوجود العقلي ما لها وجود عيني و ذلك ليكون الحكم في الخلق بين الوجود و العدم فيقبل العدم من حيث الطبيعة و يقبل الوجود من جانب الحق فلهذا يتصف كل ما سوى اللّٰه بقبول العدم و الوجود فكان الحكم فيه للعدم كما كان فيه الحكم للوجود و لو لم يكن الأمر على ما ذكرناه لاستحال على المخلوق قبول العدم في وجوده أو قبول الوجود في عدمه فهكذا ينبغي أن تعرف الحقائق و لا سبيل إليها إلا بعدم الصرف عن الآيات و النظر إلى ما حرم اللّٰه من تكبر فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ و هذا من العلم الذي انتجه هذا الذكر لصاحبه و أمثاله وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ فللطبيعة القبول و للحق الوهب و التأثير فهي الأم العالية الكبرى للعالم الذي لا يرى العالم إلا آثارها لا عينها كما أنه لا يرى أيضا من الحق إلا آثاره لا عينه فإن الأبصار لا تدركه و الرؤية ليست إلا بها فهو المجهول الذي لا يعلم سواه و هو المعلوم للذي لا يمكن لأحد الجهل به و إن لم يعلم ما هو
فبين حق و بين طبع
و الخلق كالوفق إن نظرنا فكل خلق تراه وفق
(الباب الأحد عشر و خمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله إِنْ تَتَّقُوا اللّٰهَ
يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقٰاناً و اِتَّقُوا اللّٰهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللّٰهُ )
و من يتق اللّٰه يجعل له
كما قال من أمره فارقا
فيعلم منه ضلال الهدى
و نور الهدى هاديا سائقا
و يظهر في شرقه غاربا
و يطلع في غربه شارقا
و يصبح في كل علم له
على كل شخص به فائقا
فكان لفتق الهدى راتقا
و كان لرتق الهدى فاتقا
لنقسمه بين أبنائه
فيرقوا به جبلا حالقا
و تبصره في مناجاته
إذا قام فيها به ناطقا
فينشئها مثله نشأة
يكون بها في الورى خالقا
و يخزن أ أرضها قوتها
فيعلمه خالقا رازقا
[الفرقان حصل للمتقين]
اعلم أيدنا اللّٰه و إياك بروح القدس أن المتقي بمجرد تقواه قد حصل في الفرقان إذ لو لم يفرق ما اتقى
فالأمر ما بين محمود و مذموم فالأمر ما بين محبوب و مكروه
فكن وقايته في كل مكروه يكن وقايتكم في كل مألوه
و اجعله في كل محبوب وقايتكم و كن به بين تنزيه و تشبيه
منزه الحق لا يدري بذاك و لا مشبه الحق لا يدري و أدريه