الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٣٦ - العدل هو ميل إلى أحد الجانبين الذي يطلبه الحكم الصحيح التابع للمحكوم عليه
للمحكوم عليه مع كونه حكما و لا هو جائر فإنه حكم بما شرع له من إقامة الشهود أو الإقرار الذي ليس بحق فكان اللفظ من الشاهد و اللفظ بالإقرار من المقر أوجب له الحكم و إن كان قول زور أو شهادة زور و إنما قلنا فيه إنه أخو العليم لكونه في نفس الأمر ما يكون حكما حقيقة إلا يجعل المحكوم له أو عليه هذا هو التحقيق و الأخوة هنا قد تكون أخوة الشقائق و قد تكون أخوة الصفة كأخوة الايمان و غير الايمان و قد تكون أخوة من الأب الواحد دون الآخر و قد تكون من الرضاعة فلذلك قلنا إنه أخو العليم و ما بينا مراتب الأخوة فأحقها أخوة الايمان فإن بها يقع التوارث و هي أخوة الصفة كذلك الحكم ما حكم الحاكم على المحكوم عليه إلا لصفة لا لعينه و من شرط الحكم أن يكون عالما بالحكم لا بالمحكوم عليه و له و إنما شرطه العلم بصفة ما يظهر من حال المحكوم عليه و له بما ذكرناه من شهود صدقوا أو كذبوا أو من إقرار صدق أو كذب فهو تابع أبدا فيكون عالما بالحكم لا بد من ذلك الذي يوجبه و يعينه ما قررناه و الحق فيه مصادفة و هو موضع الإجماع مع كونه بهذه المثابة و الخلاف في حكم الحاكم بعلمه دون إقرار و لا شهادة هل يجوز أو لا يجوز و قد بينا مذهبنا في هذه المسألة في هذا الكتاب في حكم الحاكم بعلمه أين ينبغي أن يحكم و أين ينبغي أن لا يحكم بعلمه فإنها من أشكل المسائل و على كل حال فهي حضرة مبهمة حكم حكمها الأشاعرة في الصفات الإلهية بقولهم لا هي هو و لا هي غيره مع قولهم بأنها زائدة بالعين على الذات وجودية لا نسبية و غير الأشعري لا يقول بهذا وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«حضرة العدل»
العدل لا يصلح إلا لمن
يفصل في الخلق إذا يعدل
فإن أبي أكوانه عدله
فإنه بحقه يفضل
ينعم بالفضل على خلقه
و يستر الستر إذا يسبل
[العدل هو ميل إلى أحد الجانبين الذي يطلبه الحكم الصحيح التابع للمحكوم عليه]
يدعى صاحبها عبد العدل و هو ميل إلى أحد الجانبين الذي يطلبه الحكم الصحيح التابع للمحكوم عليه و له أو للإقرار أو الشهود و غير ذلك لا يكون عدلا في الحكم و من هذه الحضرة العجيبة خلق اللّٰه العالم على صورته و من هنا كان عدلا لأنه تعالى عدل من حضرة الوجوب الذاتي إلى الوجوب بالغير أو إلى حضرة الإمكان كيف شئت فقل و عدل أيضا بالممكنات من حضرة ثبوتها إلى وجودها فأوجدهم بعد أن لم يكونوا بكونه جعلهم مظاهر و بكونه كان مجلى لظهور أحكامهم و من هذه الحضرة عدوله من شأن يجوزه العقل في حق الممكن إلى شأن آخر يجوزه أيضا العقل و العدول لا بد منه فلا يعقل في الوجود إلا العدل فإنه ما ظهر الوجود إلا بالميل و هو العدل فما في الكون إلا عدل حيث فرضته و بالعدل ظهرت الأمثال و سمي المثل عدلا قال اللّٰه تعالى أَوْ عَدْلُ ذٰلِكَ صِيٰاماً و اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ و هنا له وجوه في العدل منها عدولهم إلى القول بأن له أمثالا و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و منها إنهم بربهم عدلوا لأنه لا حول و لا قوة إلا بالله و منها أن الباء هنا بمعنى اللام فلربهم عدلوا لكون من عدلوا إليه إنما عدلوا إليه لكونه عندهم إلها فما عدلوا إلا لله كقوله مٰا خَلَقْنٰاهُمٰا إِلاّٰ بِالْحَقِّ أي للحق كذلك بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ و لما قال اللّٰه عز و جل في هذه الآية اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُمٰاتِ وَ النُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ جعلوا له أمثالا فخاطب المانية الذين يقولون إن الإله الذي خلق الظلمة ما هو الإله الذي خلق النور فعدلوا بالواحد آخر و كذلك الذين يقولون بخلق السموات و الأرض إنها معلولة لعلة ليست علته الإله أي ليست العلة الأولى لأن تلك العلة عندهم إنما صدر عنها أمر واحد لحقيقة أحديتها و ليس إلا العقل الأول فهؤلاء أيضا ممن قيل فيهم إنهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ و سماهم كفارا لأنهم إما ستروا أو منهم من ستر عقله عن التصرف فيما ينبغي له بالنظر الصحيح في إثبات الحق و الأمر في نفسه على ما هو عليه فاقتصر على ما بدا له و لم يوف الأمر حقه في النظر و أما إن علم و جحد فستر عن الغير ما هو الأمر عليه في نفسه لمنفعة تحصل له من رياسة أو مال فلهذا قيل فيهم إنهم كفروا أي ستروا فإن اللّٰه حكيم يضع الخطاب موضعه و العدل هو الرب تعالى و الرب عَلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرٰاطِ اللّٰهِ الَّذِي لَهُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ و العدل الميل فالميل عين الاستقامة