الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٩٢ - الواجد و هو الذي لا يعتاص عليه شيء
الذي أحدثه فهو مثل قوله تعالى وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّٰى نَعْلَمَ فلو لا القيومية السارية في النفس ما ظهرت الحروف و لو لا القيومية الظاهرة في الحروف بحكمها ما ظهرت الكلمات بتأليفها و إنما جئنا بهذا ضرب مثال محقق واقع لوجود الكائنات عن نفس الحق فاعلم ذلك و قد تقدم ذكره في باب النفس من هذا الكتاب و اعلم أنه في ليلة تقييدي هذا الوجه أريت في النوم ورقة زنجارية اللون جاءت إلي من الحق مكتوبة ظهرا و بطنا بخط خفي لا يظهر لكل أحد فقرأته في النوم لضوء القمر فكان فيه نظما و نثرا و استيقظت قبل أن أتم قراءته فما رأيت أعجب منه و لا أغمض من معاينة لا يكاد يفهم فكان مما عقلت من نظمه ما أذكره و كان في حق غيري كذا قرر لي في النوم و ذكر لي الشخص الذي كان في حقه فعرفته و كأني في أرض الحجاز في برية ينبوع بين مكة و المدينة
إذا دل أمر اللّٰه في كل حالة على العزة العظمى فما ينفع الجحد
و جاء كتاب اللّٰه يخبر انه من اللّٰه تحقيقا فذلكم القصد
و لله عين الأمر من قبل إذ أتى إلي بما يجريه فيه و من بعد
فسبحان من حيي الفؤاد بذكره فكان له الشكر المنزه و الحمد
إذا كان عبدي هكذا كنت عينه و إن لم يكن فالعبد عبدك يا عبد
و أما النثر فأنسيته لما استيقظت إلا إني أعرف أنه كان توقيع من الحق لي بأمور انتفع بها هذا جل الأمر و هي في خاطري مصورة من أسباب الدنيا يتسع فيها رزق اللّٰه و يشكر اللّٰه تعالى من كان ذلك على يده و يثبته وَ اللّٰهُ عَلىٰ مٰا نَقُولُ وَكِيلٌ
«حضرة الوجدان و هي حضرة كن»
إن الوجود بجود الحق مرتبط
و كلنا فيه مسرور و مغتبط
إن الذي توجد الأعيان همته
هو الوجود الذي بالجود يرتبط
لو أن ما عنده عندي لقلت به
لكنني مفلس لذاك نشترط
كشرط موسى عليه حين أرسله
إلى جبابرة من ربهم قنطوا
فجاء من عندهم صفر اليدين و ما
خابت مقاصده لكنهم قسطوا
[الواجد و هو الذي لا يعتاص عليه شيء]
يدعى صاحبها عبد الواجد بالجيم و هو الذي لا يعتاص عليه شيء و هو الغني بالأشياء فإذا طلب أمرا ما و لم يكن ذلك المطلوب أي لم يحصل فيكون تعويقه من قبله فإنه لا يعتاص عليه شيء مثاله طلب من أبي جهل أن يؤمن بأحدية اللّٰه و برسوله و بما جاء من عنده فلم يجبه إلى ما طلبه منه فالظاهر من إبايته أنه ليس بواجد لما طلب منه و المنع إنما كان منه إذ لم يعطه التوفيق و لو شاء لهديكم أجمعين فهو الواجد بكن إذا تعلقت الإرادة بكونه فما يعتاص عليه شيء يقول له كن فلو قال للإيمان كن في محل أبي جهل و غيره ممن لم يؤمن و خاطبه بالإيمان لكان الايمان في محل المخاطب أبي جهل و غيره فكونه واجدا إنما هو بكن و ما عدا كن فما هو من حضرة الوجدان و كذلك عرضه عز و جل الأمانة على السماوات و الأرض و الجبال أن يحملنها فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا من أجل الذم الذي كان من اللّٰه لمن حملها و هو أن اللّٰه وصف حاملها بالظلم و الجهل ببنية المبالغة فإن حاملها ظلوم لنفسه جهول بقدر الأمانة و إذا تحقق العبد بهذه الحضرة لم يعتص عليه شيء من الممكنات و تحققه أن يكون الحق لسانه ليس غير ذلك فلا يريد شيئا إلا كان فهو واجد لكل شيء و كل من هذه حالته و وقع له توقف فيما يريد تكوينه و وجوده فقد اعتاص عليه فحاله فيه الحال الذي قال اللّٰه فيمن سبق في علمه أنه لا يؤمن بالله أن يؤمن بالله فهو و إن نطق بالله فهو مثل نطق الحق بالعبد
كقوله إن اللّٰه قال على لسان عبده سمع اللّٰه لمن حمده و
قوله إن اللّٰه عند لسان كل قائل في بعض محتملاته فإذا قال اللّٰه على لسان من شاء من عباده و أمر فقد يقع المأمور به من المأمور و قد لا يقع و إذا قال للمأمور به كن فإنه يقع و لا بد
إذا قلت قال اللّٰه فالقول صادق و إن قلت قال الناس فالقول للناس
فلا تدعى في القول إنك قائل و كن حاضرا بالله في صورة الناس