الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٠١ - خلق الأسباب و المسببات
لو لم يكن من ملكه إلا الذي
يوم القيامة في السعادة تشهد
[عالم الغيب و عالم الشهادة]
اعلم أن الملك و الملكوت لهما الاسم الظاهر و الباطن و هو عالم الغيب و عالم الشهادة و عالم الخلق و عالم الأمر و هو الملك المقهور فإن لم يكن مقهورا تحت سلطان الملك فليس بملك و من كان باختيار ملكه لا باختيار نفسه في تصرفه فيه فليس ذلك بملك و لا ملك بل منزلة من هو بهذه المثابة في ملكه منزلة المتنفل في العبادة فهو عبد اختيار لا عبد اضطرار يعزل ملكه إذا شاء و يوليه إذا شاء و الملك المجبور المضطر ليس كذلك فهو تحت سلطان الملك فإذا نفذ أمره في ظاهر ملكه و في باطنه فذلك الملكوت و إن اقتصر في النفوذ على الظاهر و ليس له على الباطن سبيل فذلك الملك و قد ظهرت هاتان الصفتان بوجود المؤمن و المنافق في اتباع الرسل صلوات اللّٰه عليهم فمنهم من اتبعه في ظاهره و باطنه و هو المؤمن المسلم و منهم من اتبعه في ظاهره لا في باطنه و ذلك المنافق و منهم من اتبعه في باطنه لا في ظاهره فذلك المؤمن العاصي و ما جعل اللّٰه للإنسان عينين إلا ليدرك بهما هاتين الصفتين عين حس و عين عقل بصيرة و بصر لأنه لما خلق مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ خلق لإدراكهما عينين و لما أضاف إلى نفسه الأعين بلفظ الجمع ليدل على الكثرة فكل عين حافظة مدركة لأمر ما بأي وجه كان فهي عين الحق الذي له الحفظ و الإدراك فذلك سبب الجمع فيها
فهو الحفيظ بنفسه و بخلقه و هو العليم بما له من حقه
بل وصف نفسه تعالى بالمشيئة و الاختيار أثبت بذلك عندنا شرعا لا عقلا إن له تصرفا في نفسه و هذا حكم يحيله النظر العقلي بعين البصيرة على اللّٰه و يصححه الخبر الشرعي و العين البصري في اختلاف الصور عليه التي يتجلى فيها و به ثبت يَمْحُوا اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ و إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ و لَوْ أَرٰادَ اللّٰهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاَصْطَفىٰ ففي هذا كله وجه إلى أحدية متعلق الإرادة و وجه إلى التصرف في التعلق و التصرف في التعلق تصرف في الإرادة و الإرادة إما ذاته على مذهب نفاة الزائد و إما صفته على مذهب مثبتي الصفات زائدة و الصحيح في غير هذين القولين و هو أن الإرادة ليست بأمر زائد على الذات و لا هي عين الذات و إنما هي تعلق خاص للذات أثبته الممكن لإمكانه في القبول لأحد الأمرين على البدل لو لا معقولية هذين الأمرين و معقولية القبول من الممكن ما ثبت للإرادة و لا للاختيار حكم و لا ظهر له في العبارات اسم فمن حضر مع الحق في حضرة الملك و الملكوت و لم يعرف العالم و لا ما هو و لا عرف نسبته من الحق و لا نسبة الحق منه فما حضر في هذه الحضرة بوجه من الوجوه و لا كان له حظ في الاسم الملك
«حضرة التقديس و هو الاسم القدوس»
من طهر النفس التي لا تنجلي
أعلامها فينا يكن قدوسا
و يرد ملكا طاهرا ذا عفة
من كان في تصريفه إبليسا
إلى القدوس أعملت المطايا
لا حظي بالزكاة و بالطهور
و بالعرش المحيط و ساكنيه
و بالأمر العلى من الأمور
فإن القدس ليس له نظير
به أحيى له و به نشوري
و إن الحق ليس به خفاء
و صدر الحق منا في الصدور
[الأسماء النواقص هي التي لا تتم إلا بصلة]
سبوح قدوس مطهر من الأسماء النواقص و الأسماء النواقص هي التي لا تتم إلا بصلة و عائد فإن من أسمائه سبحانه الذي و ما في قوله اَلَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ و في قوله اَلَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيٰاةَ و أما ما في قوله تعالى وَ السَّمٰاءِ وَ مٰا بَنٰاهٰا في بعض وجوه ما في هذا الموضع فإن ما قد تكون هنا مصدرية و قد تكون بمعنى الذي فتكون ناقصة فتكون هنا اسما لله عز و جل
[خلق الأسباب و المسببات]
فاعلم إن اللّٰه لما خلق الأسباب و جعلها الظاهرة لعباده و فعل المسببات عندها و تخيل الناظرون أنها ما خلقت إلا بها و هذا هو الذي أضل الخلق عن طريق الهدى و العلم و حجبهم عن