الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ١١٢ - أن كل ما سوى اللّٰه حجاب عن اللّٰه
بالك وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً و تأدب بآداب الحق الذي هو عليها فإن العبد إذا قال لا حول و لا قوة إلا بالله يصدقه ربه فيقول الرب لا حول و لا قوة إلا بي و لم يتعرض أن يقول لا حول و لا قوة إلا بك يا عبدي فإن هذه الكلمة لا تظهر من قائلها إلا بقائلها و لكن لما علم تعالى أن الإنسان الحيوان شارك الإنسان الكامل بالصورة الإنسانية علم أنه إذا قال الحق لا حول و لا قوة إلا بك طردها الإنسان الحيوان في غير موطنها فأساء الأدب و الإنسان الكامل لا يفعل مثل هذا فراعى الحق الحرمة ليتعلم الكامل فهي مسألة تعلم و تعتقد و لا يفوه بها ناطق و لا تجري على لسان عبد مختص إلا في بيان العلم ليعلم الأمر على ما هو عليه فإن اللّٰه أخذ العهد على العلماء أن يعلموا من لا يعلم ما علمهم اللّٰه و مما علمهم الأدب فلا يضعون الحكمة إلا في أهلها هذا من شأنهم رضي اللّٰه عنهم وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب السابع و السبعون و أربعمائة في حال قطب كان منزله وَ فِي ذٰلِكَ فَلْيَتَنٰافَسِ
الْمُتَنٰافِسُونَ و لِمِثْلِ هٰذٰا فَلْيَعْمَلِ الْعٰامِلُونَ »
الشخص مستدرج و الصدر مشروح
و الكنز مستخرج و الباب مفتوح
أين الأوائل لا كانوا و لا سلفوا
العقل يقبل ما تأتي به الروح
لكنهم حجبوا بالفكر فاعتمدوا
عليه و العلم موهوب و ممنوح
ما فيه مكتسب إن كنت ذا نصف
فليس للعقل تعديل و تجريح
العدل و الجرح شرع اللّٰه جاء به
ميزانه فبدا نقص و ترجيح
العقل أفقر خلق اللّٰه فاعتبروا
فإنه خلف باب الفكر مطروح
لو لا إلا له و لو لا ما حباه به
من القوي لم يقم بالعقل تسريح
إن العقول قيود إن وثقت بها
خسرت فافهم فقولي فيه تلويح
ميزان شرعك لا تبرح تزين به
فإن رتبته عدل و تصحيح
إن التنافس في علم يقوم به
صدر بنور شهود الحق مشروح
هذا التنافس لا أبغي به بدلا
له من الذكر قدوس و سبوح
لمثل ذا يعمل العمال ليس لهم
في غير ذلك تحسين و تقبيح
[أن كل ما سوى اللّٰه حجاب عن اللّٰه]
قال اللّٰه تعالى كُلُّ حِزْبٍ بِمٰا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ و موجب الفرح المناسبة و لما علمنا إن الإنسان مجموع ما عند اللّٰه علمنا أنه ما عند اللّٰه أمر إلا و له إليه نسبة فله منه مناسب فالعالم لا يرمي بشيء من الوجود و إنما يبرز إليه ما يناسبه منه و لا يغلب عليه حال من الأحوال بل هو مع كل حال بما يناسبه كما هو اللّٰه معنا أينما كنا فإن أَكْثَرَ النّٰاسِ لاٰ يَعْلَمُونَ ذلك بل هم بهذا القدر جاهلون و عنه عمون و هذا هو الذي أداهم إلى ذم الدنيا و ما فيها و الزهد في الآخرة و في الكونين و في كل ما سوى اللّٰه و انتقدوا على من شغل نفسه بمسمى هذه كلها و جعلهم في ذلك ما حكي عن الأكابر في هذا النوع و حملوا ألفاظهم على غير وجه ما تعطيه الحقيقة و رأوا أن كل ما سوى اللّٰه حجاب عن اللّٰه فأرادوا هتك هذا الحجاب فلم يقدروا عليه إلا بالزهد فيه و سأبين هذا الفن في هذا الباب بيانا شافيا و كون الحق كل يوم في شأن الخلق و كون الجنة و هي دار القربة و محل الرؤية هي دار الشهوات و عموم اللذات و لو كانت حجابا لكان الزهد و الحجاب فيها و كذلك الدار الدنيا فأقول إن اللّٰه خلق أجناس الخلق و أنواعه و ما أبرز من أشخاصه لننظر فيه نظرا يوصلنا إلى العلم بخالقه فما خلقه لنزهد فيه فوجب علينا الانكباب عليه و المثابرة و المحبة فيه لأنه طريق النظر الموصل إلى الحق فمن زهد في الدليل فقد زهد في المدلول و خَسِرَ الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ الْخُسْرٰانُ الْمُبِينُ و جهل حكمة اللّٰه في العالم و جهل الحق و كان من الخاسرين الذين فَمٰا رَبِحَتْ تِجٰارَتُهُمْ وَ مٰا كٰانُوا مُهْتَدِينَ فالرجل كل الرجل من ظهر بصورة الحق في عبودة محضة فأعطى كل ذي حق حقه و يبدأ بحق نفسه فإنها أقرب إليه من كل من توجه له عليه حق من المخلوقين و حق اللّٰه أحق بالقضاء و حق اللّٰه عليه إيصال كل حق إلى من يستحقه و لِمِثْلِ هٰذٰا فَلْيَعْمَلِ الْعٰامِلُونَ إذ و لا