الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ١٠٤ - أن كل كلام في العالم كلام اللّٰه تعالى
في صورة ممكن و لهذا نادبنا في قولنا إن اللّٰه لا ينبغي أن يقال إنه يجوز أن يفعل كذا و يجوز أن لا يفعله و نقول يجوز أن يكون هذا الممكن و يجوز أن لا يكون كما أنه إذا ظهر الاضطرار من العبد إنما يظهر ذلك منه بصورة حق لا بنفسه لأنه لا يكون عبدا إلا بقيامه بمراسم سيده و هو مسلوب الفعل بالأصالة فلا بد أن تظهر بصورة حق إذا ظهر بعبوديته التي هي العمل بما كلف فعله و لذلك لم يقل الحق إنه هوية الشيء و إنما قال إنه هوية العبد فعلمنا إن حكم العبد ما هو حكم الشيء فحكم النفل أحق بالعبد لو لا ما فيه من روائح الربوبية و حكم الفرض أحق بالرب لو لا ما فيه من روائح العبودية فليجعل حكم كل واحد في الموطن الذي جعله اللّٰه فيكون اللّٰه هو الجاعل لا نحن فنخلص و نسلم من الاعتراض علينا عند السؤال من اللّٰه إيانا
[إن اللّٰه تعالى جعل في محبة الجزاء غفر الذنوب]
ثم إن اللّٰه تعالى جعل في محبة الجزاء و هي محبة الكرامة غفر الذنوب و هو سترها و ختم الآية بأنه لاٰ يُحِبُّ الْكٰافِرِينَ و الكافر الساتر و هو تعالى ساتر الذنوب فعلمنا أنه لا يحب من عباده من يستر نعمه كانت النعم ما كانت فإنه قال وَ أَمّٰا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ و ما تحدث به لم يستر و قال التحدث بالنعم شكر و إذا أنعم اللّٰه على عبد نعمة أحب أن ترى عليه و نعمه التي أسبغها على عباده ظاهرة و باطنة و من ستر نعمة اللّٰه فقد كفر بها و من كفر بها أذاقه اللّٰه لِبٰاسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بصنيعة ذلك و لهذا قيد اللّٰه ستره بالذنوب و هي البقايا التي أبقاها اللّٰه لعباده ليتعلموا الأدب مع اللّٰه فينسبون الطاعة و الخير لله و يجعلونه بيد اللّٰه و ينسبون الذنب و المعصية لنفوسهم فلهذا قلنا أبقاها اللّٰه فهذا نصيبهم مما هو لله فإنه كل من عند اللّٰه لكن هؤلاء المحجوبون لاٰ يَكٰادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً بل يقولون كل ذلك لله في غير الموطن الذي جعله اللّٰه لهذا القول و ذلك لجهلهم بالمواطن و هذا القدر كاف فإن المجال فيه واسع لاتساع ميدانه لكون العالم ما أوجده اللّٰه إلا عن الحب و الحب يستصحب جميع المقامات و الأحوال فهو سار في الأمور كلها فلذلك يتفصل الأمر فيه إلى غير نهاية و أصل الحب النسب و هي الروابط و مع الروابط لا يثبت توحيد أصلا و لهذا قال بعضهم من وحد فقد أشرك كما يقول من قال بالجمع فقد فرق بلا شك وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الثاني و السبعون و أربعمائة في حال قطب كان منزله اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ
أَحْسَنَهُ أُولٰئِكَ الَّذِينَ هَدٰاهُمُ اللّٰهُ وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبٰابِ »
من يستمع قول من تعنو الوجوه له
يفز بحسن الذي يأتيه في كلمه
و هو الحكيم فمن في الكون حكمته
و أنت في كونه فأنت من حكمه
فمنك تسمع إن حققت ما سمعت
أذناك من قوله في رتبتي قدمه
العرش يفرد ما الكرسي يقسمه
من الخطاب لما في القول من قدمه
إن الحدوث له وجه لمحدثه
و آخر ناظر منه إلى عدمه
قال اللّٰه جل جلاله مٰا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ و قال تعالى مٰا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمٰنِ مُحْدَثٍ
[أن كل كلام في العالم كلام اللّٰه تعالى]
اعلم أن هذا تنبيه من الحق على إن كل كلام في العالم كلامه لأنه ما أتى من اللّٰه إلينا إلا كل ذكر محدث لأن الإتيان يحدث بلا شك في الآتي و ما أتى إلا من قام به الحادث و ليس إلا الصورة التي يتجلى فيها في أعين الناظرين و يتخلى عنها في أعين الناظرين فما ثم إلا سامع و متكلم و قائل و مقول له و مقول به و مقول و كله حسن إلا أنه بين حسن و أحسن فكل كلام حسن و ما وافق الغرض من القول فهو أحسن فالقول كله حسن و أما قوله لاٰ يُحِبُّ اللّٰهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ فنفى المحبة أن يكون متعلقها الجهر بالسوء من القول و السوء من القول أن يقول في القول إنه سوء و لا قائل به إلا اللّٰه و الجهر بالسوء قد يكون قولا و قد يكون في الأفعال التي لا تكون قولا فيريد بالجهر فيها ظهور الفحشاء من العبد كما
قال ص من بلي منكم بهذه القاذورات فليستتر يعني لا يجهر بها و السوء على نوعين سوء شرعي و سوء ما يسوؤك و إن حمده الشرع و لم يدمه فقد يكون هذا السوء من كونه يسوءك لا إن السوء فيه حكم اللّٰه كما قال تعالى وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا فالسيئة الأولى شرعية لأنه تعدى و السيئة الأخرى ما يسوء المجازي عليها و ليس الجزاء بسيئة مشروعة لأن اللّٰه لا يشرع السوء و لما وقع الاصطلاح في اللسان على السيئ و الحسن نزل الشرع من عند اللّٰه بحسب التواطؤ فهم سموه سوء