الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ١٦٣ - التقوى يمنع العبد أن يسأل لغير اللّٰه
سَمِعُوا مٰا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ فوصفهم بأنهم يسمعون ثم ذكر ما كان منهم حين سمعوا فقال تَرىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّٰا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ فأخبر أنهم آمنوا و أخبر أنه تعالى أثابهم على إيمانهم بما ذكر في الآيات فلا تقل فيمن لم يجب أنه سمع فتخالف اللّٰه فيما أخبر عنهم و قد أخبر اللّٰه تعالى عنهم إن بهم صمما و أخبر عنهم أنهم قالوا فِي آذٰانِنٰا وَقْرٌ فطابق قولهم فِي آذٰانِنٰا وَقْرٌ قول اللّٰه إنهم صم فلم يسمعوا فلم يرجعوا فإنهم لم يعقلوا ما سمعته آذانهم و ما سمع من سمع منهم إلا دعاء و نداء و هو قوله يا فلان و ما سمع أكثر من ذلك فما أعظم رحمة اللّٰه بعباده و هم لا يشعرون بل رأيت جماعة ممن ينازعون في اتساع رحمة اللّٰه و إنها مقصورة على طائفة خاصة فحجروا و ضيقوا ما وسع اللّٰه فلو إن اللّٰه لا يرحم أحدا من خلقه لحرم رحمته من يقول بهذا و لكن أبي اللّٰه إلا شمول الرحمة فمنا من يأخذها بطريق الوجوب و هم الذين يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ الذين يؤمنون و يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ و منا من يأخذها بطريق الامتنان من عين المنة و الفضل الإلهي و و اللّٰه ما أنا بحمد اللّٰه ممن يحب التشفي و الانتقام من عباد اللّٰه بل خلقني اللّٰه رحمة و جعلني وارث رحمة لمن قيل له وَ مٰا أَرْسَلْنٰاكَ إِلاّٰ رَحْمَةً لِلْعٰالَمِينَ و ما خص مؤمنا من غيره و تحقق ذلك في وضع الجزية على أهل الكتاب و ما كان السبب في إنزال هذه الآية إلا دعاءه بالمؤاخذة الإلهية على المشركين من رعل و ذكوان و عصية و إذا كان هذا عتبة لرسوله ص في حق المشرك الذي أخبر أنه لا يغفر له فكيف الأمر في غير المشرك و إن لم يؤمن فافتح عين فهمك لما تقرأه وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً و هو أن يزيدك في فهمك فكلما كررت تلاوة زدت علما لم يكن عندك و كلما نظرت و اعتبرت تزيد علما وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الأحد و العشرون و خمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله
وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّٰادِ التَّقْوىٰ وَ اتَّقُونِ يٰا أُولِي الْأَلْبٰابِ»
اتقوا اللّٰه يا أولي الألباب
من علوم علامها في تباب
لا تفكر في ذاته فهو جهل
و التزم ما تراه خلف الباب
من نعوت تبدو به و صفات
هن حجابها و عين الحجاب
ما دري من يقول بالفكر فيها
إنها لا تنال بالألباب
فالذي قال إنه قد حواه
لم يزل منه تائها في إياب
[التقوى يمنع العبد أن يسأل لغير اللّٰه]
اعلم وفقنا اللّٰه و إياك أن مثل هذا قوله وَ لِبٰاسُ التَّقْوىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ و هو الذي يواري من اللباس ما يستر و يمنع من الضرر و هو ما زاد على الريش فالتقوى في اللباس و في الزاد ما يقي به الرجل وجهه عن السؤال غير اللّٰه و كذلك في اللباس ما يقي به الإنسان برد الهواء و حره و يكون سترا لعورته و هو قوله يُوٰارِي سَوْآتِكُمْ و ليس إلا ما يسوءكم ما ينظر إليه منكم هذا الذكر جاء بلفظ الزاد و ورد الأمر به فأعلمنا أنا قوم سفر نقطع المناهل بالأنفاس رِحْلَةَ الشِّتٰاءِ وَ الصَّيْفِ لنطعم من جوع و نأمن من خوف لأنه ما زاد على وقايتك فما هو لك و ما ليس لك لا تحمل ثقله فتتعب به و أقل التعب فيه حسابك على ما لا يحتاج إليه فلما ذا تحاسب عليه هذا لا يفعله عاقل ناصح لنفسه فما ثم عاقل لأنه ما ثم إلا من يمسك الفضل و يمنع البذل و المسافر و ما له على قلة فإنه ما من منهلة يقطعها و لا مسافة إلا و قطاع الطريق على مدرجته من الجنة و الناس و يدخل في الجنة الخواطر النفسية فتقطع بهذا المسافر عن معالي الأمور و أصغر المسافات و أقربها أشقها عليه و هو ما بين النفسين فمن كانت مسافاته أنفاسه كان في أشق سفر لكنه إذا سلم عظمت أرباحه و أمن الخسارة في تجارته فإنهم في سفر تجارة منجية من عذاب أليم بضائعهم الايمان و الجهاد فالإيمان بضاعة تعم النفائس المضنون بها و الجهاد يعم جميع ما جهزنا اللّٰه به من بضائع التكليف و الرسل ع هم السماسرة في البيع و الشراء و الصحف و الكتب المنزلة هي الوثائق المكتوبة بين البائع و المشتري و أخبر اللّٰه تعالى أنه اِشْتَرىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ يعني إلا نفس الحيوانية هي التي اشتراها من النفوس الناطقة المكلفة بالإيمان وَ أَمْوٰالَهُمْ و هو شري البرنامج فالمشتري بالخيار عند حضور البضائع فإن وافقت ما في البرنامج مضى